11/29 01:52

بالرغم من شغفي الزائد وحبي للافلام الا انني لا افضل الكتابه عنها، لانها ببساطه تجربه يجب مشاهدتها لا القراءه عنها، ولكن فيلمنا اليوم له جانب شيق ورائع يمكننا ان نكتب عنه، انها الفيزياء. انطلقت رحله كريستوفر نولان العقليه الجديده التي اطلق عليها اسم Interstellar منذ عده ايام في انحاء العالم، وقد اشتهر كريستوفر نولان بافلامه غير التقليديه مثل mementos وسلسله باتمان الاخيره The Dark Knight وفيلم Inception الاخير، ولكن بخلاف فيلم Inception القائم علي الخيال نجد ان فيلم Interstellar قائم علي مفاهيم علميه وفيزيائيه الي حد ما مثل النجوم النيوترونية neutron stars، الثقوب السوداء الدوّاره spinning black holes وتمدد الزمن time dilation، واذا لم تكن علي الاقل ملمًّا ببعض هذه المفاهيم ستجد نفسك ضائعًا وسط احداث الفيلم المثيره.

في الفيلم مجموعه من مستكشفي الفضاء يبدؤون رحله الي خارج المجره عبر ثقب دودي wormhole، ما ينتظرهم علي الجهه الاخري هو نظام شمسي اخر به ثقب اسود يدور حول الشمس، ليبدا سباقهم ضد الفضاء والزمن لاتمام مهمتهم. معظم احداث السفر عبر الفضاء خلال الفيلم قد تكون مربكه ومحيره ولكنها مبنيه في الواقع علي مبادئ فيزيائيه اذا تمكنت من فهمها ستقضي وقتًا اقل في التخمين ووقتًا اكثر في الاستمتاع بالفيلم. اليكم موجز مختصر لاهم خمسه مفاهيم فيزيائيه يجب ان تكون ملمًّا بها لتتمكن من فهم الفيلم والاستمتاع به.

من المشاكل الكبيره التي نواجهها كبشر في رحلات الفضاء طويله الاجل انعدام الجاذبيه، نحن ولدنا وعشنا علي كوكب الارض لذلك فلقد تكيفت اجسادنا ان تتحرك وتؤدي وظائفها تحت وطاه تاثير الجاذبيه الارضيه، لذلك عندما نتواجد في الفضاء لفترات طويله تبدا عضلات الجسم في التدهور تدريجيًّا وهي مشكله واجهت فريق الاستكشاف في الفيلم ايضًا، لمواجهه هذه المعضله قام العلماء بتصور عده تصاميم لنظام جاذبيه صناعي في المركبه الفضائيه، احد هذه الانظمه كما في الفيلم يعتمد علي تدوير المركبه الفضائيه بحيث ينتج عن دورانها قوي نطلق عليها قوي الطرد المركزي centrifugal force حيث تدفع هذه القوي الاجسام الي الجدران الخارجيه للمركبه الفضائيه والتي ستمثل السطح الذي سيمشي عليه رواد الفضاء. قوي الدفع هذه تعمل تمامًا مثل قوي الجاذبيه الارضيه ولكن في اتجاه معاكس حيث تعمل قوي الجاذبيه الارضيه علي جذب الاجسام لمركز الكره الارضيه بينما تؤدي هذه القوي المصطنعه الي طرد الاجسام الي الاطر الخارجيه بعيدًا عن المركز. انت بنفسك شعرت بمثل هذه القوي من قبل في الكثير من المواقف منها عندما تنعطف بسيارتك عبر منحني ضيق وبسرعه، حيث تشعر بقوي تقذف بك في الاتجاه المعاكس لاتجاه المنعطف.

بالطبع سمع اغلبكم عن الثقوب السوداء من قبل ولفت انتباهكم الغموض المحيط بها، في مركز كل ثقب اسود يوجد جسم هائل عالي الكثافه والضغط يطلق عليه النجم النيوتروني neutron star، علماء الفلك والفضاء يعلمون منذ عشرات السنوات ان بعض النجوم النيوترونيه تدور بمعدلات مرتفعه جدًّا تصل الي عده الاف من المرات في الثانيه الواحده! النجم النيوتروني كثيف بالقدر الكافي الذي يتسبب في جعل الثقب الاسود يبدا في الدوران تبعًا لدورانه وبالتالي نحصل علي الثقب الاسود الدوّار spinning black holes والذي لاحظه علماء الفلك من قبل ولكن بشكل غير مباشر. نحن نعلم ان الثقوب السوداء تتسبب في انحناء الزمان والمكان (الزمكان) من حولها وما يجب ان تعرفه هو ان الثقوب السوداء الدوّاره تتسبب في انحناء الفراغ بشكل مختلف عن الثقوب السوداء التقليديه الثابته، عمليه الانحناء هذه يطلق عليها تباطؤ او سحب الاُطر frame dragging وهي تؤثر علي شكل الثقب الاسود بالاضافه لطريقه تاثيره علي الفراغ، والاهم من ذلك طريقه تاثيره علي الزمكان من حوله. الثقب الاسود الدوّار الذي ستراه في الفيلم دقيق جدًّا وقد تتطلب تجهيز هذا المشهد ذو الثوان القليله فريقًا علميًّا تراس عالم الفيزياء الشهير كيب ثورن واكثر من عام لاتمامه بهذه الدقه المتناهيه بالاضافه الي ان اكتشافًا جديدًا لطريقه طي الثوب السوداء للزمكان تحقق بفضل هذا العمل وستجدون تفاصيل اكثر في المصادر.

محاكاه للثقب الاسود الذي ظهر في الفيلم

محاكاه لكيفيه طي الثقب الاسود للفراغ من حوله

واليكم فيديو يتحدث عن مراحل اعداد الثقب الاسود الذي ظهر في الفيلم.

الثقوب الدوديه wormhole تدردد ذكرها كثيرًا خاصه في افلام الخيال العلمي، وتعتبر الظاهره الفيزيائيه الوحيده التي ظهرت في الفيلم وليس لها اي دلائل او ملاحظات تدعم وجودها فعلًا، هي مجرد ظاهره نظريه تمامًا ولكنها في نفس الوقت اداه مفيده لافلام الخيال العلمي عندما تظهر الحاجه لاجتياز مسافات شاسعه في الفضاء، والسبب هو ان الثقوب الدوديه تشبه الطرق المختصره في الفضاء، اي جسم له كتله يمكن ان ينشا عنه تشوه في الفراغ، بمعني ان الفراغ يمكن ان ينحرف او يتمدد او يطوي، ويمثل الثقب الدودي الحاله الاخيره، اي انه يطوي الفراغ (وبالتالي الزمن لان كلاهما وجهان لعمله واحده وفقًا لاينشتاين) بين نقطتين مختلفتين ومتباعدتين جدًّا في الفضاء، وبالتالي عند العبور من خلاله يمكن لرواد الفضاء ان ينتقلوا من النقطه الاولي الي الثانيه في وقت قصير جدًّا. المصطلح العلمي للثقوب الدوديه (بالرغم من عدم اثباتها بعد) هو جسر اينشتاين روزن Einstein-Rosen bridge لانه تم الاشاره اليهم لاول مره في نظريه بواسطه البرت اينشتاين وزميله ناثان روزن في عام 1935.

تمدد الزمن الجذبي Gravitational time dilation او لنقل تمدد الزمن فقط، هو ظاهره تم ملاحظتها واثباتها بالفعل، وقد تحدثنا عنها في عده مواضيع من قبل وصغنا بعض الامثله للتدليل عليها. يحدث تمدد الزمن لان الزمن نسبي (وفقًا لاينشتاين) بمعني ان الزمن يمضي بمعدلات مختلفه وفقًا للاطارات المرجعيه التي يتم قياسه منها (لنقل الشخص الذي يشعر بالزمن). عند تواجدك في بيئه تتميز بقوي جاذبيه كبيره فان الوقت يمضي بشكل ابطا بالنسبه لك بخلاف ما اذا كنت في منطقه ذات جاذبيه اقل (لماذا؟ باختصار لان الجاذبيه تؤثر علي الزمن).

اذا كنت بالقرب من ثقب اسود تمامًا مثل الذي ظهر في الفيلم، حيث يتميز بقوي جذب عظيمه، سيكون الاطار المرجعي الخاص بالجاذبيه بالنسبه لك وكذلك احساسك بالوقت مختلف تمامًا عن اولئك الذين يعيشون علي كوكب الارض والسبب هو ان قوي جذب الثقب الاسود تزداد كلما اقتربت منه، بالنسبه لك دقيقه بالقرب من ثقب اسود ستبقي 60 ثانيه ولكن لو كان بامكانك النظر الي ساعه علي الكره الارضيه ستبدو لك الدقيقه اقل بكثير من 60 ثانيه، وكلما زادت مجال الجاذبيه الذي تتحرك بالقرب منه كلما زاد تمدد الوقت، اي بعد مضي سنه ستكون قد امضيت عشر سنوات هناك. الامر معقد ويصعب تصديقه ولكنه واقع نعيشه ولكن يصعب علينا ادراكه، وهناك العديد من التجارب التي تثبت صحته.

امضي البرت اينشتاين الثلاثين عامًا الاخيره من عمره يعمل علي ما يطلق عليه الفيزيائيون اليوم النظريه الموحده unified theory والتي تحدثنا ايضًاً عنها من قبل، والتي يفترض ان تجمع بين طياتها المفهوم الرياضي لقوي الجاذبيه مع قوي الطبيعه الاساسيه الثلاثه الاخري، وهي القوي الكهرومغناطيسيه والقوي النوويه القويه والضعيفه، ولكن اينشتاين فشل في نهايه المطاف من ايجاد هذه النظريه تمامًا مثل جميع الفيزيائيين من بعده وما زالت المحاولات قائمه الي يومنا هذا.

تكمن المشكله في ان قوي الجاذبيه تابي ان تتعاون ويري بعض الفيزيائيين احد طرق حل هذا الغموض هو النظر الي الكون علي انه يتكون من خمسه ابعاد بدلًا من الكون رباعي ابعاد الذي اقترحه اينشتانين في نظريته النسبيه، حيث يتكون الفراغ من ثلاثه ابعاد والزمن يمثل البعد الرابع وكلاهما يشكلان الزمكان، تلاعب كريستوفر نولان بهذه المفاهيم والافكار في الفيلم بشكل مذهل لن نذكره ولا داعي لذكره لكي لا نفسد عليكم متعه مشاهده الفيلم.