09/14 18:14

بينما كانت جيوش الاسلام تضرب في مناكب الارض.. هادره ظافره.. كان يقيم بالمدينه فيلسوف عجيب.. وحكيم تتفجر الحكمه من جوانبه في كلمات تناهت نضره وبهاء…وكان لا يفتا يقول لمن حوله:

" الا اخبركم بخير اعمالكم, وازكاها عند باريكم, وانماها في درجاتكم, وخير من ان تغزو عدوّكم, فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم, وخير من الدراهم والدنانير".؟

وتشرئب اعناق الذين ينصتون له.. ويسارعون بسؤاله:

" اي شيء هو.. يا ابا الدرداء"..؟؟

ويستانف ابو الدرداء حديثه فيقول ووجهه يتالق تحت اضوء الايمان والحكمه:

لم يكن هذا الحكيم العجيب يبشر بفلسفه انعزاليه ولم يكن بكلماته هذه يبشر بالسلبيه, ولا بالانسحاب من تبعات الدين الجديد.. تلك التبعات التي ياخذ الجهاد مكان الصداره منها…

اجل.. ما كان ابو الدرداء ذلك الرجل, وهو الذي حمل سيفه مجاهدا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم منذ اسلم, حتي جاء نصر الله والفتح..

بيد انه كان من ذلك الطراز الذي يجد نفسه في وجودها الممتلئ الحيّ, كلما خلا الي التامل, واوي الي محراب الحكمه, ونذر حياته لنشدان الحقيقه واليقين..؟؟

ولقد كان حكيم تلك الايام العظيمه ابو الدرداء رضي الله عنه انسانا يتملكه شوق عارم الي رؤيه الحقيقه واللقاء بها..

واذ قد امن بالله وبرسوله ايمانا وثيقا, فقد امن كذلك بان هذا الايمان بما يمليه من واجبات وفهم, هو طريقه الامثل والاوحد الي الحقيقه..

وهكذا عكف علي ايمانه مسلما الي نفسه, وعلي حياته يصوغها وفق هذا الايمان في عزم, ورشد, وعظمه..

ومضي علي الدرب حتي وصل.. وعلي الطريق حتي بلغ مستوي الصدق الوثيق.. وحتي كان ياخذ مكانه العالي مع الصادقين تماما حين يناجي ربه مرتلا اته..

( ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين).

اجل.. لقد انتهي جهاد أبي الدرداء ضدّ نفسه, ومع نفسه الي تلك الذروه العاليه.. الي ذلك التفوق البعيد.. الي ذلك التفاني الرهباني, الذي جعل حياته, كل حياته لله رب العالمين..!!

سئلت امه عن افضل ما كان يحب من عمل.. فاجابت:

وكان هو يحضّ اخوانه علي التامل والتفكّر يقول لهم:

" تفكّر ساعه خير من عباده ليله"..

لقد استولت العباده والتامل ونشدان الحقيقه علي كل نفسه.. وكل حياته..

ويوم اقتنع بالاسلام دينا, وبايع الرسول صلي الله عليه وسلم علي هذا الدين الكريم, كان تاجرا ناجحا من تجار المدينه النابهين, وكان قد قضي شطر حياته في التجاره قبل ان يسلم, بل وقبل ان ياتي الرسول والمسلمون المدينه مهاجرين..

ولقد كان من اصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم من لم تلههم تجارتهم ولا بيعهم عن ذكر الله.. بل اجتهدوا في انماء تجارتهم واموالهم ليخدموا بها قضيه الاسلام, ويكفوا بها حاجات المسلمين..

ولكن منهج هؤلاء الاصحاب, لا يغمز منهج ابو الدرداء, كما ان منهجه لا يغمز منهجهم, فكل ميسّر لما خلق له.

رجل عكف علي نفسه وصقلها وزكّاها, وحتي صارت مراه صافيه انعكس عليها من الحكمه, والصواب, والخير, ما جعل من ابي الدرداء معلما عظيما وحكيما قويما..

من اجل ذلك, كان يرثي لاولئك الذين وقعوا اسري طموح الثروه ويقول:

" اللهم اني اعوذ بك من شتات القلب"..

وما شتات القلب يا ابا الدرداء..؟؟

ان يكون لي في كل واد مال"..!!

" يا ابا الدرداء, ما يبكيك في يوم اعز الله فيه الاسلام واهله"..؟؟

فاجاب ابو الدرداء في حكمه بالغه وفهم عميق:

ما اهون الخلق علي الله اذا هم تركوا امره..

بينما هي امه, ظاهره, قاهره, لها الملك, تركت امر الله, فصارت الي ما تري"..!

وبهذا كان يعلل الانهيار السريع الذي تلحقه جيوش الاسلام بالبلاد المفتوحه, افلاس تلك البلاد من روحانيه صادقه تعصمها, ودين صحيح يصلها بالله..

ومن هنا ايضا, كان يخشي علي المسلمين اياما تنحلّ فيها عري الايمان, وتضعف روابطهم بالله, وبالحق, وبالصلاح, فتنتقل العاريه من ايديهم, بنفس السهوله التي انتقلت بها من قبل اليهم..!

وكما كانت الدنيا باسرها مجرّد عاريه في يقينه, كذلك كانت جسرا الي حياه ابقي واروع..

دخل عليه اصحابه يعودونه وهو مريض, فوجدوه نائما علي فراش من جلد..

فقالوا له:" لو شئت كان لك فراش اطيب وانعم.."

فاجابهم وهو يشير بسبّابته, وبريق عينيه صوب الامام البعيد: