07/05 16:15
لست ناقدا سينمائيا؛ لكني اعرف جيّدا تلك الافلام التي هزّتني او ابكتني او اضحكتني او جعلتني افكّر طويلا.. اعرفها واحتفظ بها جميعا في الحافظه الزرقاء العتيقه التي تمزّقت اطرافها، وسوف ادعوك لتشاهدها معي لكنها اثمن من ان اقرضها! معظم هذه الافلام قديم مجهول او لا يُعرض الان، لكنها تجارب ساحره يكره المرء الا يعرفها مَن يحب.
"عيال السينما المزعجون".. هذا هو المصطلح الذي اطلقه النقاد الامريكان علي هؤلاء المخرجين الشبان الذين استولوا علي صناعه السينما في السبعينيات.. كلهم في سن صغيره جدا، وكلهم يُقدّم افلاما تبهر النقاد وتحصد شباك التذاكر حصدا؛ من ضمن العلامات الاخري انهم ملتحون غالبا ويلبسون قبعات بيسيبول، ويمضغون اللادن بلا توقّف.
سوف تتذكّر بعض الاسماء علي الفور: ستيفن سبيلبرج، وجورج لوكاس، وفرانسيس فورد كوبولا، ومارتن سكورسيس... لقد انتهي عصر ديناصورات السينما المتحجّره وجاء هؤلاء الشباب المزعجون، بافكار جديده نضره وتقنيات جديده، وسوف تكتشف هوليوود سريعا مع افلام من نوع "حرب الكواكب" و"الفك المفترس" و"الاب الروحي" ان ما كانت تطلق عليه ايرادات في الماضي لم يكن سوي "طعام دجاج".. هذه هي الايرادات الحقيقيه.
في عام 1976 قدّم مارتن سكورسيس فيلما صار من علامات السينما العالميه، وبرغم هذا لو انك رايت صورته في تلك الفتره لخيّل لك انه شاب هيبي عابث لا اكثر، وقد كان اسم هذا الفيلم العلامه هو "سائق التاكسي" عن قصه بول شريدر.
فيما بعدُ ازداد نضج سكوريس واهميته في السينما العالميه، ويكفي ان نذكر انه صاحب: "الطيار" و"عصابات نيويورك" و"الثور الغاضب" و"الجدعان الطيبون" و"هوجو" و"جزيره شاتر" و"كازينو"... الخ. انه قوه ضاربه عظمي في السينما الأمريكية، لكن يظلّ "سائق التاكسي" هو اوّل ما يرد للذهن عندما تذكر اسم الرجل.
قال سكورسيس في مهرجان كان:
- "سائق التاكسي يتلقّي اوامر الركاب ليوصلهم حيثما يريدون، وليست عنده فرصه اختيار.. هنا سائق تاكسي قرّر ان يقود نفسه بنفسه!".
سوف يذكر الناس دائما المَشاهد الليليه في شوارع نيويورك مع نغمه الساكس الحزينه، بينما سائق التاكسي يجوب المدينه المخبوله بحثا عن رزقه.. هناك جو عام يُوحي بالاحلام او ان هذا كله غير حقيقي.
اسمع موسيقي برنارد هيرمان النيويوركيه المميزه
هذا دور لا يُنسي لروبرت دي نيرو في دور المحارب السابق في فيتنام الذي يبدا حياته كسائق تاكسي في مانهاتن.. انه ليس مستقرّا نفسيا بالتاكيد، بالاضافه الي عطشه الجنسي الدائم الذي لا يرتوي بارتياد دور السينما المشبوهه، وهو يري اقذر واسوا ما في المدينه؛ كان هذا انعكاس لما راه في فيتنام.
يقع هذا السائق في الحب اول مره مع فتاه تُدير حمله احد اعضاء مجلس الشيوخ الذي رشّح نفسه رئيسا للجمهوريه.. انه يقع في الحب بالطريقه الخاطئه؛ مثلا يصحب الفتاه للنزهه فياخذها الي احد دور السينما اياها ليُريها عرض بورنو، بالطبع لا تتحمّل الفتاه هذا "القرف" وتغادر المكان غاضبه.
سائق التاكسي يصل الي القاع القذر لنيويورك ويعيش فيه؛ يري الدعاره والمخدرات، ومن الغريب ان الاشمئزاز يدفعه دفعا الي بدء برنامج لاكتساب لياقه جسديه.. انه ينمي عضلاته متوقّعا ان يحتاج لها في هذه المدينه الاثمه الظالمه.
نعرف ببطء ان افكاره تدور حول الاغتيال السياسي.. يشتري سلاحا.. السلاح جزء مهم من تكوين اي امريكي، وهو يبتاعه من شاب انيق يحمل حقيبه كانه مندوب مبيعات، ومكان اللقاء غرفه صغيره في فندق يعرض فيها بضاعته.
ويركب اختراعا يجعل المسدس ينزلق من كمه، ويتدرّب مرارا امام المراه علي ان يلعب دور الرجل القوي.. هذا هو مشهد "هل تكلمني انا؟".
وهو من اشهر المشاهد في تاريخ السينما
هذه السياسه تؤتي اكلها عندما ينجح في قتل لص كان يسطو علي متجر، ويساعده صاحب المتجر علي الفرار.
من جديد تتركّز احلامه بالطهر والخلاص في عاهره طفله هي "جودي فوستر" التي تعتصرها المدينه بشراسه؛ فيحاول ان يفرّ بها بعيدا او يرسل لها مالا تعود به لابويها وتبتعد عن هذه المهنه.
الان قرّر سائق التاكسي ان يفعل.. لقد شاهد الكثير جدا وحان وقت الفعل، وهو يواصل التدريبات الصارمه.
يحلق شعره كالهنود الحمر ثم ينطلق ليقتل.. يحاول قتل السيناتور -رئيس الجمهوريه المقبل- ويفشل، ثم يقتل القواد الذي يسيطر علي الطفله جودي فوستر، ويتلقّي طلقه في عنقه. في الواقع تحدث مجزره كامله يقتل فيها عددا من البلطجيه وملوك العالم السفلي.. مشهد عنيف جدا، وقد وصفه الناقد الجميل رءوف توفيق في كتاب "سينما الزمن الصعب" بانه "نوع من فصد الدم الفاسد للمدينه"، وقد ارغمت الرقابه سكورسيس علي تغيير لون الدم الاحمر القاني ليصير غامقا واقل ترويعا.
يقع سائق التاكسي في يد رجال الشرطه، وفي السجن يتلقّي رساله من ابوي العاهره الصغيره يشكرانه علي انقاذ ابنتهما من القاع، وينتهي الفيلم به وقد خرج من السجن، وعاد يقود التاكسي في شوارع المدينه التعسه.
يري بعض النقاد ان هذه النهايه السعيده وهميه؛ علي الارجح هو مات فعلا اثناء تبادل الطلقات وما هذه الا هلوسه الاحتضار الاخيره.. قد يكون هذا صحيحا.
يظلّ اهم ما في الفيلم اداء الرائع روبرت دي نيرو الذي كان وجها جديدا وقتها، وطبقا لقواعد استوديو الممثّل ظلّ يمارس العمل كسائق تاكسي لمده اسبوعين (12 ساعه يوميا) قبل بدء التصوير. كما ان الفيلم جعل اسم جودي فوستر عالقا في الاذهان، وجعلها حلما الي درجه ان رجلا اطلق الرصاص علي الرئيس الامريكي لينال اهتمامها.