10/13 12:09
سيده البيت المصري تستقبل ضيوفها بابتسامه عريضه واطلاله متسامحه، وبصوت عالٍ تلح عليهم في التقرب الي مائده الطعام حتي وان كانت صغيره: "سفره هنيه تكفي ميّه. تفضل بيتك ومطرحك. مطرح ما يسري يمري". موائد المصريين نادراً ما تخلو من "العيش"، وهو الخبز المصري المدور الرقيق، وطبق الفول "المدمس"، الذي يعتبره المصريون عنواناً شعبياً لموائدهم عبر العالم. والمائده المصريه عمادها المرق والرز، والباميه والملوخيه والكوسه والفراخ والحمام المحشي في طليعه الاطباق المصريه الشائعه. كما ان الفطير المشلتت والمعمول بالسمن الحيواني من علامات اكرام الضيف في ارياف مصر خاصه.
اما البيت الشامي عموماً، فهو متقارب العادات بمجمله، فلغه لبنان وسوريا وفلسطين متقاربه، ولغه اهل الاردن تقترب كثيراً من الباديه، فهم يلحون علي الضيف بالقول: "قرّب يا خوي، قرب يالعزيز، هني ومري، حياك الله". اما الشاميون فيقولون للضيف: "تفضل، العشا جاهز، صحه وهنا". اما اللبنانيون فيستميحون الضيف التقرب الي الطعام بادبهم الجم وابتساماتهم العريضه. موائد الشام كلها تشترك في الكبه واللحم بالعجين والحمص بالطحينيه وبابا غنوج. واخيراً عنوان الشام المتنازع عليه "الفلافل". فوق كل ذلك، فالزيتون والزيت والزعتر تبقي علامات فلسطينيه فارقه للمائده ولغتهم هي: "تفضل اهلين، صحه وعافيه".
الحمص والطحينيه عنوان شامي اصيل.
تنوع الموائد بتنوع اهل البلد
في العراق، تتنوع المائده شمالاً وجنوباً وغرباً، ولكن المشترك في كل تلك الموائد هو طبق الدولمه، اي الخضروات المحشوه بالرز واللحم، والمحشي، وهو شبيه بالدولمه الا انه يغرق في الحساء. وتقترب موائد اهل الموصل والانبار وصلاح الدين من موائد اهل الشام والاردن، فاهل الموصل يعشقون الكبه ويسمونها "كبي"، وهم يفرطون في تنويع حشوتها باللحم المفروم والبرغل المجروش والكشمش واللوز والمطيبات مثل القرنفل. كما ان معجناتهم تشبه معجنات اهل الشام، ومن عاداتهم ان النساء لا يدعين الضيف الي المائده، بل يختص ذلك بالرجال حصراً. اما موائد الجنوب العراقي فتحمل ملامح من تاريخ سومر القديم وتاثيرات الخليج ومناطق الاهوار. فالسمك هو ملك المائده والرز وزيرها. كما انهم يصعنون خبزاً من طحين الرز يسمونه سياح، ويصنعون خبزاً معجوناً بالسمك ويسمونه طابق. ويفترش اهل جنوب العراق الارض في سفرتهم، ويتركون الضيف وحده مع المائده كي لا يشعر بخجل من وجود المضيف وصاحب الدار، فيتركونه ياكل كما يشاء، ويعودون اليه بعد وقت معقول، حاملين ابريق ماء وسلبجه (حوض يلم الماء) وقطعه صابون يغسل بها يده. اغرب ما في آداب الطعام العراقيه هي مقوله تشيع بينهم ونصها" الضيف قتيل بيد المعزّب"، ومعناها انّ المضيّف من حقه ان يلح علي الضيف في الدعوه لان ياكل حتي يبلغ درجه التخمه القاتله!
الدولمه ، ملفوف الخضروات بالرز واللحم. عراقي تركي عربي
اهل الخليج عموماً يشتركون بهذه الطقوس، وهكذا تري اصول واداب المائده العراقيه في مختلف بلدان الخليج بدرجات متفاوته وفروق بسيطه. ويعطّر الضيف يده بعد الغسل بالطيب او المسك او بالريحان وغصون الورد وماء الورد. كما انهم يتحدثون عن المفطّح وهو الرز المحلي باللوز والكشمش والبصل المقلي والبطاطس واحياناً الكماه ولحم الدجاج المفروط، والذي يتربع فوقه خروف مشوي كامل. ويؤكدون ان تقليب اللحم معيب وينهون عن اكل عين الذبيحه باعتبارها حصه الضيف. كما يوجبون نهوض المضيف عن السفره حال قيام الضيف عنها. اهل الخليج والحجاز وحضرموت وعمان واليمن يمدون سفرتهم علي الارض، ولا تُشارك النساء الرجال مجالسهم حتي بعدم وجود ضيوف. والنساء المنقبات غالباً يفضلن ان ياكلن وحدهن، فيتاح لهن ان يرفعن نقابهن وخمارهن لياكلن براحتهن.
اما في شمال افريقيا، فيمتاز المغرب بمائده عامره ، والمغاربه في الغالب يمدون سفرتهم علي موائد مستديره يتحلّق الجالسون حولها، ويجالسون ضيوفهم علي موائد مختلطه لا تفرق بين النساء والرجال. ويصدق هذا ايضاً علي تونس والجزائر وليبيا في حواضرها. كرم الضيافه المغربيه يبتدئ بالشاي المنعنع الدافئ، وسخونه المشروب دلاله علي حراره الاستقبال ودفء الموده.
اطباق المائده المغربيه المتقدمه هي الكسكس والطاجين وحساء الحريره، باختلاف المنطقه وحسب الموروث الثقافي فيها. اما ختام المائده فهي البسبوسه المغربيه، التي تشبه الي حد كبير حلاوه الدهين العراقيه والكنافه الشاميه بانواعها غير الجبنيه.
اما في الجزائر، يتسيّد المائده طبق "الكسكسي" الابيض الذي يسمي في شرق الجزائر عموماً "المحوّر". كما يدعي في بعض المناطق "البربوشه" او "النعمه" او "السكسو".
ولا تختلف ليبيا عن سائر الشمال الافريقي، فـ"الكسكسي" هو سيد المائده بلا منازع. كما يمتاز الليبيون بانهم مضيافون يرحبون بالضيف بطريقتهم. اطباقهم الشهيره هي "البازين" و" البازين بالدحي الابيض" و"الرز المبوخ" و"الرز البلاو" و"الرشده" و"العصبان" وغير ذلك. ويفترش الليبيون سفره طعامهم علي الارض غالباً، لكن سكان طرابلس العاصمه يفضلون الموائد المستديره.
تونس تختلف الي حد ما عن موائد شمال افريقيا، ففيها الشربه والبريك الدنوني ومصلي الدجاج واللبلابي التركي وخبز الطابونه.
في السودان، يقرب الضيوف سفرتهم وقوفاً، خصوصاً حين يكون عددهم كبيراً نسبياً. وربما يختص بهذه الصفه اهل السودان دون غيرهم. السودانيون مضيافون كرماء بشكل منقطع النظير، والسوداني حتي اذا كان فقيراً يقدم لضيفه افضل ما في بيته، وهم متاثرون الي حد كبير بالمائده الافريقيه، اذ ان اغلب اطعمتهم مجففه. من اطباقهم "بليله"، وهي عباره عن حمص مسلوق يوضع عليه تمر سوداني مجفف.