09/21 12:31
مدق رملي طويل، لا يصلح لان تمر عليه السيارات العاديه، طوته سياره الشاب علي ابوالخير، رباعيه الدفع، لتنهب بنا الارض، مخلفه وراءها سحابه كثيفه من رمال الصحراء الشرقية بفعل عجلاتها القويه. تمر بنا بين الجبال العاتيه، ومع مرور الوقت يظهر بين الحين والاخر قطيع من الجمال التي تتحلق حول احدي الاشجار تحتمي بظلها من وطاه الشمس المتعامده عليها في الظهيره.
اثرياء الخليج يرتكبون «المذابح» ضد الحيوانات النادره في وديان الصحراء.. والحكومه «لا تري.. لا تسمع.. ولا تتحرك»
ثلاثه كيلومترات قطعها الفتي الاسمر، الي ان هدا هدير محرك السياره ليعلن الوصول الي وادي «مبارك» الذي كان يضج بانواع مختلفه من الحيوانات البرية النادره قبل ان تطوله ايدي الصيادين الاثمه، فلم يعد فيه الا ما يُعد علي اصابع اليدين، وما يرعاه البدو من ابل.
هنا في «وادي مبارك»، الذي يبعد 7 كيلومترات عن مطار مرسي علم جنوباً، كانت ترعي الغزلان والماعز الجبلي والكثير من الحيوانات البريه في امان، الي ان بدات رصاصات الصيادين من اثرياء الخليج مطاردتها قبل نحو ثلاثين عاماً، وحتي يومنا هذا، حتي ينهشوا لحومها وسط الصحراء. يمر العام تلو الاخر، حتي وجد بدو الصحراء الشرقيه من قبيله العبابده انفسهم امام ماساه حقيقيه، فقد بدات تختفي من حولهم الحيوانات البريه، وتقل تدريجياً، حتي اوشكت علي الانقراض.
بعد الوصول الي الوادي يستقر «علي ابوالخير»، احد ابناء قبيله العبابده، امام منزله المبني من الحجر الابيض، بجلبابه الابيض وبشرته السمراء ولهجته البدويه، ليخبرنا ان وادي مبارك كان من اكثر وديان الصحراء الشرقيه التي تضم انواعاً كثيره من الحيوانات البريه، لم تعد تظهر، قائلاً: «كانت بتبقي موجوده حوالينا بترعي وسط غنمنا وماعزنا، والان عليك ان تسير في الصحراء عشرات الكيلومترات لتصادف واحده من الغزلان او الماعز الجبلي».
اهالي «العبابده»: نبلغ الشرطه والاجهزه الامنيه عن عمليات القنص.. دون فائده
يتذكر الشاب الثلاثيني عندما كان صغيراً يشاهد مداهمه سيارات السعوديين الوادي بحثاً عن الغزلان لاصطيادها: «طلعت من صغري وانا بشوف السعوديين بيلفوا في الوديان هنا في مبارك عشان يصطادوا الغزال والماعز والضب، كان معهم دايماً سلاح الصيد وعربيات مجهزه وثلاجات، ولا يستقرون في مكان واحد، بل ينتقلون من بقعه الي اخري داخل الصحراء بحثاً عن الصيد الثمين».
يتابع «ابوالخير»: «لما كانت الحيوانات تختفي من امامهم كانوا يعسكرون حول ابار الماء التي تاتي اليها الحيوانات للشرب، وكانت هناك 4 عيون للمياه في الوادي تلتف حولها القطعان باستمرار، ويقصدها الاثرياء العرب دائماً للحصول علي ما يكفي شغفهم، لم يكونوا يصطادون ما يكفيهم فقط، وانما يفرطون في الصيد ويخزنون اللحوم في الثلاجات كي يرجعوا بها لبلادهم».
يلتفت «ابوالخير» الي الجمال باسماً: «اعمل علي رعايه ذلك القطيع، فالجمال هي اخر ما تبقي لدينا من حيوانات بعد ان افتقر الوادي لكافه الانواع الاخري، جرّاء ما فعله الاثرياء ونتيجه للصيد الجائر، كانوا يصطادون مئات الحيوانات في الرحله الواحده لتهريبها لبلادهم».
لم يجد شباب «وادي مبارك» من ابناء قبيله العبابده امامهم بداً من الاضطلاع بواجبهم تجاه اراضيهم وطرد الدخلاء منها، فشكلوا، حسب «ابوالخير»، مجموعات تطارد الصيادين في الصحراء لمنع عمليات الصيد الجائر بايديهم، ايام وليال يقضونها وسط الصحراء يتتبعون فيها اثرهم، حتي يجدوهم ويسلبوهم العربات وادوات الصيد ويطردوهم خارج الوادي.
علي بعد 2 كيلومتر من مدينه القصير جنوباً، وبالقرب من وادي المياه، يجلس سعد عبدالرحمن، رجل اسمر البشره دبّ الشيب في شعر راسه، والي جواره نجله الصغير يرعيان الابل التي يقتاتون من لبنها، يقول ان السعوديين والعرب من الاثرياء، شانهم شان البدو يعشقون الصيد، وكادوا ان يدمروا الباديه لولا تدخل الملك الذي اصدر اوامر ملكيه بضروره منع الصيد، وهو ما لا يستطيعون تخطيه او التعدي عليه خوفاً من الملك.
الرجل الخمسيني، ابن وادي المياه، قرر ان يتركه ويعيش بالقرب من المدينه بعد ان قضي بدو السعوديه والكويت من الاثرياء علي الحياة البرية في صحاري الوادي الذي كان اسماً علي مسمي، مملوءاً باعين المياه التي تتجمع حولها القطعان البريه بكثافه، الي ان زحف الصيادون نحو تلك الصحاري بمساعده بعض البدو في رحلات الصيد التي زادت وتيرتها مع حريه الصيد في الوديان التي كانت مليئه بالحيوانات ولا تخضع لسلطه المحميات الطبيعيه، وهو ما ادي الي تدمير وادي المياه واختفاء الحيوانات منه.
«ابوالخير»: الجمال اخر ما تبقي لدينا من حيوانات بسبب الصيد الجائر والعرب كانوا يصطادون مئات الحيوانات في الرحله الواحده
«عبدالرحمن» حمّل الحكومه والدوله مسئوليه انقراض انواع كثيره من الحيوانات البريه في واديه الاثير، بسبب الاهمال الشديد، وترك الاثرياء «علي راحتهم دون حساب»، مشيراً الي ان محاولات البدو التصدي لهم كثيراً ما تبوء بالفشل: «لو جه بدوي كده قاله بتعمل ايه ولا امشي من هنا مايقدرش عليه، لان معاه سلاح وعربيات، واحنا مش قدهم والحكومه مش واقفه معانا».
بصوته الضعيف وملامحه المتعبه يعد «عبدالرحمن» علي اصابعه أنواع الحيوانات التي تتعرض كل يوم للصيد الجائر في الوديان: «الغزلان علي وشك الانقراض، والتيتل ذو القرون، والضب، والوبر، والأرنب البري».
يجذب منه «سالم عبدالخير»، جاره، طرف الحديث قائلاً: «المحميات عليّ وعليك بس، اللي بيجي من الكويت ومعاه فلوس بتخلّص له كل حاجه، مش بيهمه محميه ولا مش محميه، وحتي لو مسكوه يدفع فلوس ويروح بلده، فحتي المحميات التي تخضع لاشراف الدوله نفسها تتعرض ايضاً لصيد جائر من قبَل الاثرياء العرب، وحين يقبض عليهم في بعض الاحيان يدفعون غرامات ماليه ويعودون لبلادهم، وهما مش بيفرق معاهم الفلوس، المهم يشبعوا رغباتهم في الصيد ويرجعوا بلادهم بلحم الغزال عشان يفتخروا بيه».
وسط الصحراء الشرقيه، علي مسافه ليست بالقريبه من العمران، يجلس «احمد علي سيد» حول موقد النار، يحتسي كوباً من قهوه «الجبنه» الجنوبيه، ويلتف حوله عدد كبير من ابناء عمومته، يتحدث لـ«الوطن» عن السنوات الطوال التي شاهد فيها الاثرياء ينهشون لحوم الحيوانات البريه امام عينيه، معترفاً بانهم ساعدوا الاثرياء في بدايه الامر: «الواحد في البدايه ماكانش مستوعب، الخير كان كتير والحيوانات حوالينا في كل حته، قلنا صيدهم خير لينا ورزق، وسبناهم، لكن حلّ علينا الخراب ودمروا الصحراء ومابقاش فيها غزاله ولا تيتل واحده».
اعتراف «سيد» بذنب البدو الذين ساعدوا في عمليات الصيد قبل سنوات، لا يجدي الان نفعاً، وتوقفهم عن المساعده لم يوقف عمليات الصيد، مشيراً الي ان بعض الشركات الخليجيه السياحيه تنظم رحلات الصيد المشبوه الي صحاري مصر، وتعطي الصيادين احداثيات اماكن الوديان علي «Gps»، والان اصبحوا يعتمدون علي انفسهم في التنقل دون الحاجه للاعتماد علي البدو.
تابع «سيد»: «كثيراً ما نُبلغ الاجهزه المختصه في الدوله عن وجود سعوديين وكويتيين في رحلات صيد داخل الوديان، لكنهم لا يتحركون مطلقاً، واذا تحركوا يكون ذلك لمجابهه عمليه الصيد داخل مناطق المحميات فقط لا غير، ومن يُقبض عليهم يدفعون غرامات، وهؤلاء لا يهتمون بالفلوس، لان اموالهم زي الرز، واحياناً ما يُقبض علي الواحد مره واتنين وتلاته، ولا ينتهون، ومن ذلك واقعه القبض علي صياد بحوزته 143 صقر شاهين، وتم الافراج عنه بعد دفع مبلغ».
يقول «سيد» ان الصيادين لا يكتفون بالصيد الجائر، ويغلقون ابار المياه بالايام ويمنعون الاهالي من الشرب منها ومن سقي غنهم وابلهم، حتي يقطعوا المياه عن الحيوانات النادره التي تختفي في الجبال بحثاً عن الماء، حتي تخور قواها من العطش، فيكون صيدها اسهل، متابعاً: «هم يخربون في الباديه كلها، من اجل الصيد».
يجلس الي جانبه ابن عمه «محمود حسين»، يقول ان موسم انتشار الصيادين من دول الخليج مرتبط بموسم طرح ثمار شجره «السيال الصحراوي» التي تجمع حولها الغزلان والحيوانات البريه للتغذي عليها: «وقتها الحيوانات بتبقي ثمينه ومطلوبه»، وتكون في الفتره ما بين شهر يوليو وحتي اكتوبر من كل عام: «في الوقت ده تلاقيهم بقي بعربياتهم نزلوا البلد عشان يلموا الاكل ويدخلوا الدروب الصحراويه يصطادوا».
لم يكن اثرياء الخليج وحدهم الذين يجوبون الصحاري بحثاً عن الحيوانات البريه في وديان الصحراء الشرقيه، ولكن هناك بعض المصريين يعملون في تجاره الانواع النادره من الطيور، بحسب «حسين»، لا يمثلون سوي 10% من جحم الصيادين، فيما تصل نسبه السعوديين والكويتيين، الي نحو 88%، اضافه الي بعض الاجانب من هواه الصيد، والعاملين في المراكز البحثيه.
ويعود «احمد سيد» للحديث مجدداً ليوضح طريقه دخول الاثرياء بالسلاح عبر ميناء سفاجا: «هو بيدخل بيه مره واحده، وبعدين بيدفنه في الصحراء ويحدد احداثيات موقعه علي gps، ولما يرجع السنه اللي بعدها يطلعه ويصطاد بيه»، وعن خروجهم بلحوم الغزلان يقول: «بيسلخوا الجلد ويقطعوا الروس ويرموها في البحر وطبعاً الجمارك في سفاجا مابيعرفوش يفرقوا بين اللحم البقري العادي ولحم الغزلان والحيوانات البريه للاسف».
ويشير «سيد» الي ان الكثير من الوديان في منطقه الصحراء الشرقيه تُعد مناطق معروفه للصيادين في دول الخليج، واهمها وادي المياه، وذدون، ووادي مبارك الذي ينقسم لاكثر من واد، نظراً لانتشار الابار والمياه الجوفيه فيه، لافتاً الي ان هناك ثلاثه او اربعه في السعوديه علي درايه بالمنطقه، ويعرفون صحاريها عن ظهر قلب، وهم الذين ينظمون تلك الرحالات المشبوهه ويساعدون بقيه الصيادين في الوصول للمناطق التي ما زالت ماهوله بالحيوانات.
بالقرب من جبل حماطه جنوباً، علي بعد اكثر من 60 كيلومتراً من مدينه مرسي علم جنوباً، تستقر محميه وادي الجمال، التي لم تسلم من عمليات الصيد الجائر من قبَل الاثرياء العرب، ولم ترحمها رحالات الصيد، اشجار ملونه وجبال شاهقه وخطره، تُغير لون الصحراء.
تقترب الشمس من المغيب، فيما يجلس بالقرب من مقر اداره المحميه المبني من الصخر الحجري «محمد جاد»، رئيس اداره قطاع المحميات بالبحر الاحمر، علي كرسي من جريد النخل.
يعترف «جاد» انه لا يستجيب لمطالب البدو بالتدخل لحمايه وديانهم من عمليات الصيد الجائر من قبَل الصيادين المقبلين من الخليج: «لو شبر بره المحميه مش بروح ناحيته، لا الامكانيات الماديه ولا القوه البشريه تمكنني من السيطره الا علي الحدود المحميه».
الرجل الذي طالما يتلقي مكالمات هاتفيه من البدو في وادي مبارك ووادي المياه للتدخل وطرد الصيادين، لا يستطيع سوي حمايه المحميتين المسئول عنهما «وادي الجمال» المستقر فيها ومحميه «جبل علبه» في الجنوب، فرغم ما يتحصل عليه من سيارات وعربات دفع رباعي خلال الضبطيات القضائيه للصيادين من دول الخليج الذين لا يرحمون المحميات فانه لم يستفد من تلك «الغنائم» شيئاً: «تخيل ست عربيات بس يقدروا يسيطروا علي محميه بحجم وادي الجمال»، ورغم مطالباته الكثيره بتوزيع بعض العربات المضبوطه مع الصيادين المقبوض عليهم علي ادارات المحميات في البحر الاحمر، فان احداً لا يستجيب له.
يؤكد «جاد» ان هناك الكثير من الوديان في الصحراء الشرقيه كان علي الدول ان تضمها للمحميات الطبيعيه، لما بها من حيوانات نادره تستحق الحمايه، دون تركها مرتعاً للصيادين، وعلي الرغم من ذلك فان هناك اتجاهاً من الدوله لتقليل مساحه المحميات الطبيعيه لصالح الاستثمار والسياحه، لان قانون المحميات لا يسمح ببناء اي فنادق او منتجعات داخل المحميه، وفي المقابل فان ضم تلك المناطق الغنيه بالحيوانات والثروات الطبيعيه للمحميات يتطلب تدخل رئاسه الوزراء ورئيس الجمهوريه، لان القرار يتعلق باكثر من وزاره وليس البيئه وحدها.
اكد «جاد» ان الدوله اهملت تلك الدويان من قديم الازل، ووصل الامر الي اصدار تصريحات رسميه من بعض الوزراء في حكومات مبارك بالصيد في تلك الاماكن، متابعاً: «ضبطت بنفسي خلال فتره التسعينات رجل اعمال يمتلك قريه سياحيه تحوي بعض الحيوانات البريه، وهو يصطاد في وادي مبارك، ومعه تصريح من وزير البيئه وقتها بذلك، ووادي مبارك كان يضج بالحيوانات الكثيره التي كانت تتطلب تحويله لمحميه طبيعيه، ولكن ظل دون حمايه حتي فرغ معظم ثروته من الحيوانات النادره».
ورغم جهودهم الكثيره التي يقوم بها «جاد» ومن معه لحمايه المحميه فان رحلات الصيادين من اثرياء الخليج لم ترحم المحميه، فلا يمر اسبوع دون القبض علي احدهم، متلبساً بلحوم الغزلان، او خلال عمليات الصيد: «المشكله في الامكانيات، لا العربيات الي معايا تقدر تسيطر علي مساحات المحميات، ولا اقدر اخرج خارج الحميه للدفاع عن الوديان المملوءه بالحيوانات».
الرجل الاربعيني لا يستطيع حصر عدد المقبوض عليهم من اهل الخليج بعد اختراقهم المحميه من خلال بعض الطرق الجبليه الوعره هروباً من رجال المحميه، ولكن دوماً يتصدون لهم بمساعده قوات حرس الحدود، وبعض كمائن الجيش، او من خلال مساعدات البدو المنتشرين في وديان المحميه.
يشير «جاد» الي ان اهل الخليج من الصيادين يخترقون المحميه بعد عبور ميناء سفاجا سالكين طريق «مرسي علم - ادفو»، ثم عبر اي مدق جبلي للوصول الي منطقه المحميه ليبدا الصيد، ويكونون محملين بالاطعمه وبنادق الصيد، وعند القبض عليهم تؤخذ منهم غرامات كبيره تصل احياناً علي الغزاله الوحده الي 12 الف دولار، مع مصادره العربات والمعدات، ولكن لا تصل العقوبات الي السجن، وهو ما يجعل العقوبات اضعف من عقوبات الصيد في منطقه الخليج التي تصل للحبس، ففي بلادهم يمنع عليهم الصيد، والقوانين مغلظه: هؤلاء جاؤوا الينا (يضربونا علي قفانا ويصطادوا هنا).
يقول «جاد»: «مادام اتقبض عليه داخل المحميه خلاص خلصت، وسبق ان ضبطنا خالد ثابت، ابن شقيق سوزان مبارك في عصر مبارك، في جبل مشكه، ورغم تدخل الاجهزه الامنيه وبعض الجهات وقتها فاننا رفضنا الرضوخ لها، وحررنا محضراً بالواقعه، وحرزنا العربات التي كانت بصحبته وادوات الصيد».
يطارد رجال البيئه المصاحبون لـ«جاد» الصيادين من دول الخليج، وعلي الرغم من ذلك لم تسلم المحميه من الاذي: «علي ما اوصل له اصلاً يكون اصطاد غزاله او غزالتين، يعني في الاول والاخر الموضوع خطير، ولازم يكون فيه تدخل من الجهات الاخري المعنيه، والمشكله في اداره المواد الطبيعيه من قبَل المحافظه والجهات الاداريه القائمه عليها».