تعد تجربة كل إنسان الثقافية والمعرفية هى العامل الرئيسى لما يمكن أن يعتنقه من آراء أو أفكار، لذلك فلكل إنسان الحرية فى ما يعتقده، لكن يرجى دائما قبل اعتناق أى رأى البحث فى مدى مصداقيته وواقعيته حتى لا نضل بغير علم، وقد رأينا أمس كيف أن معنى الأحاديث النبوية الآمرة باللحية ليس كما يفهم من ظاهرها، وأريد اليوم أن أناقش السادة ضباط الشرطة الذين يريدون إطلاق لحاهم ومن ورائهم المتشددون الذين يدعمونهم، فى الناحية الفقهية للحية، فقد دأب المتشددون فى فتواهم عن اللحية على إرهاب الناس بزعمهم انعقاد الإجماع التام والمطلق بين المذاهب الأربعة على وجوب إطلاق اللحية وحرمة حلقها، وهذا زعم باطل، وادعاء كاذب لإجماع لا وجود له على أرض الواقع، وافتراء على مذاهبنا الفقهية.
ويزيد المتشددون البلوى بتعمدهم استخدام الألفاظ الضخمة التى يهولون بها على الناس، فمن كون حلق اللحية حراما إلى أنه خنوثة وتغيير للفطرة وكبيرة، ويصل الأمر عند بعضهم إلى أنه كفر، ذلك ليفزعوا الناس، خصوصا إن كانوا شعبا طيبا متدينا بطبعه كالمصريين، وهو ما يجعل الكثير منا فى حيرة بين خيارين، كلاهما أثقل من الآخر، هل يطلق لحيته مخالفا الذوق العام حوله أم يتحمل كل هذه الأوصاف البشعة؟
وإنى لأستغرب كل هذه الجلبة من الإخوة السلفيين فى شأن اللحية، فقد ورد الأخذ من اللحية فى الآثار عن الصحابة والتابعين وصح النقل فى ذلك عن ابن عمر وأبى هريرة وعن ابن عباس ومن التابعين الحسن البصرى وابن سيرين ومجاهد والنخعى، كانوا يفعلون ذلك فى النسك وفى غيره من غير نكير من أحد.
أما على مستوى المذاهب، فلم ينقل أحد عن أبى حنيفة أو مالك تحريما لحلق اللحية، أما الشافعى فينقلون عنه دائما ما قاله ابن الرفعة من أن الشافعى نص فى كتابه «الأم» على حرمة حلق اللحية، وهذا نقل عجيب واستشهاد مريب، فكتاب (الأم) موجود وباستقرائه لا تجد فيه نصا واحدا صريحا للشافعى بتحريم حلق اللحية، وأن الأمر فى حقيقته هو فهم خاطئ من ابن الرافعة، فلم ينقل أحد من محققى المذهب ومنهم الرافعى والنووى عن الشافعى نصا فى التحريم، وأما الإمام أحمد فقد نقل عنه أصحابه كلاما صريحا بجواز الأخذ من اللحية، ولم يذكروا له شيئا صريحا فى حلقها.
وبعد الأئمة الأربعة ظهرت بعض عبارات التحريم بين تابعيهم، لكنها كانت معللة فى الغالب، ولو توقفنا قليلا أمام تعليلاتهم لاكتشفنا سريعا أنها كانت تخص عصرهم وعرفهم، ولا تصلح لوقتنا.
ففى مذهب السادة الأحناف ينقل المتشددون دائما ما قاله الحصفكى فى (الدر المختار): «يحرم على الرجل قطع لحيته»، على أنه مذهب الأحناف، بينما الأمر فى المذهب غير ذلك يشرحه ابن عابدين فى حاشيته على الدر فى حلق الشعر فى الحج «ويكره للمرأة لأنه مُثْلَة فى حقها كحلق الرجل لحيته»، لقد كره ابن عابدين حلق اللحية، لأنه مُثلة -بضم الميم- أتمنى التركيز على لفظة «المثلة»، لأنها سترافقنا طويلا، التى تعنى النكال والعبرة، فقد كان فى العرف القديم حلق شعر الرأس أو الحاجبين أو اللحية من أنواع العقوبات، أما الآن فقد تلاشى هذا العرف وحل غيره، فلماذا نصر على فتاوى صدرت فى ضوء عرف آخر.
يقول الكاسانى فى (بدائع الصنائع) (ت: 587): «حَلْقَ اللِّحْيَةِ مِنْ بَابِ الْمُثْلَةِ»، ومع ذلك فلننظر إلى اللحية فى كتب أخرى للأحناف، يقول كمال بن الهمام فى (فتح القدير): «الْقَدْرُ الْمَسْنُونُ فِى اللِّحْيَةِ (الْقُبْضَةُ) ودليله «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَيَأْخُذُ مَا فَضَلَ عَنْ الْقُبْضَةِ، ويقول: «فَأَقَلُّ مَا فِى الْبَابِ إنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى النَّسْخِ»، فها هى من المسنون، وليس المفروض كما يدعى الإخوة، ويقول: «ولا يَأْخُذَ غَالِبَهَا أَوْ كُلَّهَا، كَمَا هُوَ فِعْلُ مَجُوسِ الْأَعَاجِمِ مِنْ حَلْقِ لِحَاهُمْ كَمَا يُشَاهَدُ فِى الْهُنُودِ وَبَعْضِ أَجْنَاسِ الْفِرِنْجِ».
يقول عبد الله الجديع: «إن الرأى المعتمد فى المذهب أن نص الأمر بإطلاق اللحية معلل بمخالفة المجوس، لذا فلم يبلغ عندهم الأمر الوجوب لوجود هذا التعليل، ويتضح أيضا أن الحكم بعدم الحلق معلل، لأنه كان فعل طائفة معينة سيئة السمعة، وليس أكثر وإن كان لم يبحه أحد فلم يحرمه أيضا أحد فعدم الإباحة لا يعنى التحريم».
أما مذهب السادة المالكية، فيقول القاضى عياض «ت 544هـ»: «يكره حلق اللحية وقصها وتحذيفها»، ومن المعلوم أن الكراهة تقابل الندب، وأن ترك المندوب الذى هو إطلاق اللحية لا ذنب فيه ولا إثم، ومثله قول العدوى فى حاشيته تحت عنوان بَابٌ فى الْفِطْرَةِ «أَىْ بَعْضِ الْخِصَالِ التى يَكْمُلُ بها الْمَرْءُ وَهَذَا التَّفْسِيرُ لِابْنِ عُمَرَ وَفَسَّرَهَا الْفَاكِهَانِىُّ بِالسُّنَّةِ»، ويقول الحطاب المالكى فى شرحه على خليل: «وحلق اللحية لا يجوز وكذلك الشارب، وهو مثلة وبدعة».
إن القائل بعدم الجواز استدل لقوله بأن فيه مُثلة أى نفس العلة عند الأحناف، التى أجبنا عنها بتغير العرف.
وعند السادة الشافعية نقرأ فى حاشية إعانة الطالبين استغراب المؤلف الإمام أبى بكر الدمياطى من دعوى حرمة حلق اللحية، فيقول «قلت: المعتمد عند الغزالى وشيخ الإسلام وابن حجر فى التحفة والرملى والخطيب وغيرهم الكراهة».
كل هؤلاء من المذهب الشافعى وزد عليهم النووى يعتمدون الكراهة، بل إن المذهب الرسمى للشافعية الكراهة، وحين صرح الفقيه الحليمى بأنه لا يحل لأحد أن يحلق لحيته، وهو ما يتشدق به المتشددون ذكر أن العلة: «فإنه هجنة وشهرة وتشبه بالنساء».
ومع ذلك رد عليه الرملى فى فتاواه: «حلق لحية الرجل ونتفها مكروه لا حرام». وقول الحليمى فى منهاجه: «لا يحل لأحد أن يحلق لحيته»، ضعيف.
ويقول الخطابى (ت: 338) «عن اللحية كره لنا أن نقصها كفعل بعض الأعاجم»، لقد أوضح الشيخ علته، وقد علمنا أنه حينما نجد التعليل العرفى نفهم منه أنها فتوى الزمان والمكان اللذين صدرا فيهما، وهذا العرف قد تغير كما هو واضح.
وفى عقر الدار فى مذهب السادة الحنابلة تجد العجب العجاب، فلم ينقل عن الإمام أحمد أو أحد من أصحابه وأتباعه القول بحرمة حلق اللحية، وقد أطبق المذهب على استحباب إعفاء اللحية، يقول ابن قدامة (ت 682هـ) فى (الشرح الكبير) «ويستحب إعفاء اللحية»، وقال ابن عمر الضرير: (ت 684هـ) فى (الحاوى الصغير): «ويسن أن يكتحل، ويغسل شعره ويسرحه ويفرقه، ويقص شاربه، ويعفى لحيته». وقال ابن عبد القوى (ت 699هـ) فى (منظومة الآداب): «وإعفاء اللحى ندب»، وقال الفقيه ابن مفلح (ت: 763 هـ) «وذكر ابن حزم الإجماع أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض، وأطلق أصحابنا وغيرهم الاستحباب» وفى كتابه (الآداب الشرعية) يؤكد ابن مفلح الحكم فيقول: «وَيُسَنُّ أَنْ يُعْفِىَ لِحْيَتَهُ».
كان ذلك مذهب الحنابلة إلى زمن الإمام ابن تيمية (ت 728هـ) وتلامذته فإنه أول من صرح بتحريم الحلق من الحنابلة فكان عامة متأخريهم يعولون على اختياره.
وفى المذهب الظاهرى يقول ابن حزم فى (مراتب الإجماع): «واتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز»، لقد عدنا إلى نفس العلة المثلة.
إن الحكم الشرعى إنما يثبت بأدلته لا بما صاغته الظنون، وقد رأينا كيف أن القول بحرمة حلق اللحية لم يكن رأيا معتمدا فى أى من المذاهب الأربعة، فكيف يدعون أن فى حرمة الحلق إجماعا بين المذاهب الأربعة؟ وكيف يسمح لهم ضميرهم أن يقتطعوا جملة من سياقها ثم يخرجون بها علينا، زاعمين أن هذا رأى لمذهب، إن هذا نموذج واضح للتلفيق والغش والخداع فلنحظر.
وتكمل لعبة السيطرة على عقولنا بتهويلاتهم على الناس بألفاظ الوعاظ التى تغر العامة؟ التى يصفون فيها حالق اللحية فى بعض الأحيان بالكفر، يقول الجديع معلقا على هذا: «والذى نعلمه من دين الإسلام أن الكفر هو أن يفترى الإنسان على الله الكذب».
بقى بعض الحجج الساذجة للمتشددين منها قولهم إن اللحية من الفطرة، وحلقها خروج عن الفطرة، ولو سلمنا أنها من الفطرة -فالأحاديث ضعيفة- فمعنى الفطرة هو الإسلام، ولم ينكر أحد أن اللحية من الإسلام، إنما الخلاف فى الوجوب والإباحة.
ويقولون إن اللحية علامة الرجولة، وفى إزالتها تشبه بالنساء محرم، وهذا عجيب فإن التشبه لا يقع بغير قصد فعن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل، وقيل لعائشة رضى الله عنها: إن امرأة تلبس النعل؟ فقالت: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجلة من النساء.
لقد حدد حديث أبى هريرة الصورة بهيئة الملبس، ومرجع الأمر فى ذلك إلى الطباع والخصائص، التى هى نوعان، خلقية كالحركات والسكنات، وكسبية تحصل بالقصد إليها كثوب وغطاء رأس، وهذا قسمان ما فيه حكم من الشرع كالذهب، وما ليس فيه حكم وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان، فكل ما فقد الحد فى الشرع فحده يعرف بالعرف، لذا فالتشبه لا يقع إلا فى الصفات الكسبية واللحية ليست منها، وما لم تحكم الشريعة بأن هذا من خصائص هذا الجنس أو ذاك فالعرف هو الحاكم فيه.
ونختم بما خلص إليه الشيخ السلفى عبد الله الجديع: «إن العرف مؤثر فى باب العادات والسنة فى العرف مجاراته إلا فى مخالفة الشرع، وحيث قلنا باستحباب إعفاء اللحية فلا يوصف ترك المندوب بكونه مخالفة للشرع، وعليه لو شاع عرف المسلمين فى مكان ما بحلق الرجال لحاهم، وأصبح إعفاء اللحية شذوذا وشهرة فموافقة العرف أوفق للسنة، إذ لا يحقق إعفاء اللحية حينئذ مصلحة مقصودة للشرع»، وأضيف إليه أنه حين تقرر دولة كمصر من منطلق عرفها منع اللحية فى أجهزة رئيسية كالجيش والشرطة والإعلام والخارجية، فلا بد من الاستجابة والالتزام بكل الرضا، وفى ذلك عين الشرع.