04/10 02:25

لم تساعده ملامحه المتجهمه، وصوته الاجش، ان يتربع علي عرش البطوله، التي طالما كانت تاسر قلوب عشاق السينما المصرية، في حقبه سبعينات، وثمانينات القرن الماضي.

لكن عندما تشاهد ادوار التلقائيه عبر مشواره الفني القصير، يجوب في خاطرك رائعتي الشيخ امام، والشاعر أحمد فؤاد نجم، "عصفور محندق يزقزق كلام موزون.. وله معني.. عن الارض سمرا وقمرا وضفه ونهر ومراكب.. ورفاق مسيره عسيره وصوره حشد ومواكب".

كان "الشيخ أحمد"، في فيلم العصفور، و"دياب" في فيلم الأرض، "والمعلم حسب الله"، في فيلم الكرنك، وغيرها من الادوار التي تعد ايقونه في تاريخ السينما المصريه، انه "عصفور الثوره"، الفنان  الراحل علي الشريف، الذي هاجر عالمنا بعد رحله قصيره قضاها بيننا، باحثاً عن عالم اخر يستطيع من خلاله ان يكسر كل القيود التي حالت بينه وبين الحريه.

قاسم مشترك جمع بين حياه الفنان القدير علي الشريف، وبين اعماله السينمائيه، ففي الوقت الذي كانت تنتشر فيه الافلام ذات الطابع الرومنسي، والكوميدي، كان  يقف علي الجانب الاخر، ليكشف عن معاناته هو وابناء جيله، الذين نشاوا وترعرعوا في ظل تولي المؤسسه العسكريه لسلطه البلاد في عام 1952م.

هذا الجيل الذي ذاق ويلات الحروب، وتجرع مررات الهزيمه، واطلق عليه العديد من المسميات، منها "جيل النكسه"، "جيل الهزيمه"، "جيل السبعينات".

فعلي الشريف، الذي ولد في 23 يونيو من عام 1934م، كان  شيوعي الهوي، وعضو في  حركه "حدتو"، احدي المنظمات الشيوعيه المصريه، وكان مناضلاً ومعارضاً للملكيه، ووصلت جراته الي حد انه قام بالقاء منشورات في وجه الملك.

لم يختلف الامر كثيراً عقب تحول النظام الحاكم في مصر من النظام الملكي، الي النطام الجمهوري، وتولي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، زمام السلطه، فكان علي الشريف معارضاً شرساً لسياسه عبد الناصر الداخليه، ما تسبب في اعتقاله عام 1958م، بتهمه محاوله قلب نظام الحكم، اثناء دراسته بكليه الهندسه.

ست سنوات، قضاها الشريف بين اروقه معتقل الواحات، ليجد هناك العديد من ابناء جيله، الذين قضوا زهره شبابهم ما بين التعذيب والقمع والمعتقلات، هؤلاء الشباب، الذين كانوا بمثابه الفرع الذي مد جذوره، وتشبث بالنضال؛ لينبت لنا بعد سنوات طويله ثمره ثوره 25 يناير.

تعرف الشريف خلال سنوات السجن، علي العديد من الشخصيات، التي اصبحت فيما بعد، من اشهر واكبر المفكرين والادباء والشعراء في مصر، من بينهم، الشاعر فؤاد حداد، والشاعر احمد فؤاد نجم، والكاتب المسرحي عبد الرحمن الشرقاوي، والفنان  التشكيلي حسن فؤاد، والمفكر محمود امين العالم،وغيرهم.

وشهد معتقل الوحات اولي تجاربه التمثيليه، عندما شارك اصدقاءه تمثيل ماساه الحلاج، للشاعر صلاح عبد الصبور، وقام بتمثيل دور امراه انذاك.

تسببت السنوات التي قضاها الشريف داخل اروقه المعتقل، في تعطيل دراسته في كليه الهندسه، ما اضطره الي الانتقال الي كليه التجاره، التي تخرج منها في عام 1965م.

وخطي الشريف اولي خطواته الفنيه، عام 1968م، وهو في الرابعه والثلاثين من عمره، وجاءت البدايه، عندما كان المخرج الكبير يوسف شاهين، يبحث عن شخص يقوم بدور "دياب"، في فيلم الارض، فرشح له الفنان حسن فؤاد، - الذي قام بكتابه سيناريو الفيلم اثناء فتره اعتقاله بمعتقل الوحات-، علي الشريف،  وعندما شاهده شاهين، قال بعفويته المعهوده، "هو ده دياب".

وزاد اعجاب شاهين، بموهبه الشريف الي حدٍ، جعله عنصرا اساسياً في عدد كبير من افلامه، كان اشهرها، فيلم "الاختيار"، في عام 1971م،  و"العصفور"، في عام 1972م،  و"عوده الابن الضال"، في عام 1976م، و "حدوته مصريه"، في عام 1982م، و"الوداع يا بونابرت"، في عام 1985م.

 وعمل الشريف مع عدد من كبار المخرجين، خلال مشواره الفني، من بينهم، المخرج علي بدرخان، في فيلم، "الكرنك"، عام 1975م، والمخرج كمال الشيخ، في فيلم، "علي من نطلق الرصاص"، من نفس العام.

وكان للفنان الكبير عادل امام، نصيب الاسد، من مشاركه الفنان علي الشريف، في عدد كبير من افلامه، والتي كان اشهرها، فيلم، "حب في الزنزانه"، و"كركون في الشارع"، و"الافوكاتو"، و"المشبوه"، و"رجب فوق صفيح ساخن"، و"خلي بالك من جيرانك"، كما اشترك الثنائي في عمل مسلسلي، "دموع في عيون وقحه"، و"احلام الفتي الطائر".

وفي السادسه والثلاثين من عمره، تعرف الشريف، علي جارته، خضره محمد، والتي كان يجمعهما ما يشبه صله قرابه، اثناء مساعدتها لتلقي دروسها حين كانت في المرحله الثانويه، وبالفعل تقدم لخطبتها رغم فارق السن الكبير الذي وصل الي ثمانيه عشر عاماً، لكن لعنه السياسه التي لازمته طوال حياته، اجبرت اسرتها علي رفض طلبه.

ومع الوقت وافقت اسره زوجته، علي طلبه، واشترطت عليه العمل في وظيفه، لاتمام الزواج، لانهم لم يعترفوا بمهنه التمثيل في ذاك الوقت، وبالفعل استجاب الشريف لطلبهم وعمل موظفاً في احد البنوك.

تزوج الشريف من خضره، وهي في الثامنه عشر من عمرها، ورزقه الله منها، ثلاث اولاد وثلاث بنات، وهم، حسن فؤاد، وحسين، وعلي زين العابدين، وزينب، وفاطمه الزهراء، واسماء.

وقالت خضره، زوجه الفنان علي الشريف، في احد التصريحات الصحفيه، ان زوجها كان يتسم بالطيبه والخلق والتدين، فضلاً عن انه كان محباً لبيته وابناءه بشكل كبير.

واشارت خضره، الي انه كان ينتسب لنسل الاشراف، وهو نسل الايمام الحسين، موضحه، انه اطلق علي ابنه علي زين العابدين، اسوه بسيدنا علي "رضي الله عنه وارضاه".

وتروي زوجته عن الليله الاخيره في حياه الشريف قائله، بعد انتهائه من اخر يوم لبروفات مسرحيه، علشان خاطر عيونك"، والتي كان من المقرر افتتاحها في اليوم التالي، عاد الي المنزل، وكان يحمل معه كتاب عن استشهاد سيدنا الحسين، وجلس يقرا فيه حتي اذان الفجر".

وامضت قائله، "قام ليصلي الفجر، وبعدها شعر بتعب في القولون، لانه انفعل مع قراءه الكتاب واحداثه"، واضافت، "ازداد التعب علي زوجي، وتصبب عرقاً بشكل كبير، فاقترحت عليه ان نذهب الي الطبيب".

واثناء استعدادهم للذهاب للطبيب، قال الشريف، "لن نذهب وخليي الولاد ميرحوش المدرسه النهاره، ولا انتِ تروحي الشغل؛ لاني هموت بعد شويه".

ظل الشريف يكررحديثه هذا، طوال اليوم، وابلغها بجميع متعلقاته الماديه، واوصاها علي الاولاد، الا ان جاءت اللحظه الفارقه، لحظه الوداع، فشاهدته زوجته يردد الشهادتين قائلاً، "يا حسين مدد جايلكم يا اهل البيت".

 وكما عاش حياته ثائراً، استطاع الشريف، ان يجعل من يوم رحيله، في 11 يناير من عام 1987م، ايقونه، يحتفل بها المصريين، من كل عام، وهو اليوم الذي حققت فيها ثوره 25 يناير اولي اهدافها، بتنحي الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك.

انطلاق مهرجان يوسف شاهين للافلام القصيره والروائيه