05/17 22:54

الكل كان يمسح دموع العين

مين اللى راح يمسحْ دموع القلب؟!

*دموع التائبين فى أغنيات وداع رمضان

ختمها عمنا فؤاد حداد وهو يودع رمضان.. «ما افتكرش لسه عندى كلام».. لكنه عاد وقال إنه يبكى على الطل ويسأل سؤاله العبقرى: «ليه افترقنا.. وليه بقينا اتنين».

ذلك الشعور الإنسانى الفذ الذى يحول الصائمين فعلًا ورمضان إلى روح واحدة خالصة نقية، هو الذى يفتح باب الدموع فى وداع الشهر الكريم.

فيشعر المريدون العابدون العاشقون بأنهم يفقدون عزيزهم فيسألون «مين اللى راح يمسحْ دموع القلب؟».

تلك الدموع هى آيات الاستغفار فى الأيام الأخيرة من رمضان عند «الموحدين العابدين».. لكننا بشر وإن تمنينا أن نكون مثل هؤلاء الذين تحدث عنهم الشاعر معروف الرصافى:

ولو أنى أستطيع صيام دهرى

ولكننى لا أصوم صيام قوم

لم يعد رمضان إذن مجرد «شهر».. ولا هو «مجرد صيام».. الحكاية أكبر من كده.. وأبسط من كده برضه.

رمضان الذى جاء اسمه من الفعل «رمض».. ومعناه الأرض شديدة الحرارة من «وهج الشمس».. وهو ما يفسر ارتباط الاسم بوقت أن أراد العرب تسمية شهورهم.. وتصادف أن كان الوقت حارًا فأسموه رمضان... وقيل إنه سمى كذلك لأنه يحرق الذنوب «يرمضها».. فيما قال الخليل بن أحمد الفراهيدى إنه «مطر يأتى قبل فصل الخريف».

وأيًا كان الاسم جاى منين.. فإن حكمة المصريين البسطاء اختصرته فى «عشرة مرق.. وعشرة حلق.. وعشرة طلق»، وهو ما يعنى أن المصريين قسّموه إلى ثلاثة أقسام فى موازاة التقسيم الدينى للشهر «أوله رحمة.. وأوسطه مغفرة.. وآخره عتق من النار».

اختلط ما هو دينى بما هو إنسانى وشعبى فى الذاكرة الجمعية للمصريين.. وظهر ذلك جليًا فى احتفالاتهم التى اتبعت نفس التقسيم.. وحسب د. عبدالحميد حواس فإن تلك الاحتفالات هى تعبير عن إدراك جمعى للمغزى الروحى المستتر للظاهرة.. وفى هذا السياق فإن المظاهر الاحتفالية كالمواكب وموائد الطعام والموالد وغيرها تتجاوز وظائفها المحددة، لترقى إلى كونها إطارًا جامعًا للتطلعات الروحية والجمالية. وبعيدًا عن أى محاولة لتفسير شكل تلك الاحتفالات الرمضانية، فقد رأى الناس فى بلادى.. أن الأيام الأخيرة من رمضان بها ما بها مما يجعل أفئدة الناس تبكى.. وتحزن.. وتفرح أيضًا.. هذه الأيام التى أطلقوا عليها «وحشة رمضان» لها أصل وفصل.. فحسب المؤرخ عبداللطيف فاخورى عثر فى مكتبة الإسكوربال فى إسبانيا على أقدم مخطوطة تحمل اسم «وداع رمضان المعظم» لابن الجوزى المتوفى عام ١٢٠٠ ميلادية.. ولذلك يمكن القول بأن تلك العادة- توحيش رمضان- عمرها ٨٠٠ سنة.

وقد شرح الخوارزمى معنى «لا أوحش الله فعلك» فقال «أى لا أذهبك الله.. فتوحش أحبائك من جانبك بالفراق».. وقال أبوالعلاء المعرى:

«لا أوحشتْ دارك من شمسها ولا خلا غابَك من أُسده».

ومثلما يتحول الكبار إلى احتفالات الوداع بختم القرآن فى الأيام العشرة الأخيرة.. وبالاستغفار والدعاء وبخاصة فى ليلة القدر.. يتحول الأطفال والنساء فى البيوت.. وتتحول الأغنيات أيضًا إلى مشهد ودائعى حزين أحيانًا.. سمح ونقى أحيانًا.. ومبهج استعدادًا للعيد فى آخر أيامه.

من أقدم الأغنيات التى تعرض لحالة «التسبيح»، أغنية كتبها عبدالفتاح مصطفى ولحنها سيد مكاوى للصوت المظلوم «إسماعيل شبانة» الذى طغت شهرة أخيه «عبدالحليم حافظ» على حنجرة الغناء فعذبته طويلًا:

وأحيا ليله بنور الطاعة والغفران

بَر السلامة الذى يتحدث عنه إسماعيل شبانة، اهتدت إليه واحدة من أهم مطربات القرن العشرين، فانتقلت من اليهودية إلى الإسلام بعد سماعها صوت الأذان من مسجد لعمارة الإيموبيليا.. وذهبت فى اليوم التالى لتعلن إسلامها فى الأزهر.. تلك المطربة هى ليلى مراد.. التى يحتفظ لها سجل أغنيات رمضان، بواحدة من أهم أغنياته واسمها «باب الغفران» التى يتحدث مؤلفها محمد مراد فؤاد- كان أمين صندوق رابطة الزجالين- ولحنها سيد مكاوى أيضًا- عن أركان الإسلام الخمسة:

وتلاقى الحور.. داير ما يدور

يلّا يا غفلان.. باب الرحمن

يا رب فريد فى ملكوتك

وزكاة المال.. من قرش حلال

حتكون م الفايض من قوتك

وتكاد هذه الأغنية تكون هى الوحيدة التى تتحدث عن فريضة الزكاة الرمضانية إلى جانب فريضة الصوم.. ويقترب لحن مكاوى كثيرًا من لحن «على إسماعيل».. سبحة رمضان وهو نفس الأمر فى «التفعيلة التى كتب مراد بها أغنيته».. ولا يزال الجدل قائمًا حول نسبة أغنية سبحة رمضان له أيضًا وليس لنبيلة قنديل كما هو متعارف عليه.

أغنيات التوبة.. وطلب الغفران.. التى تسيطر على أغنيات ما قبل وداع الشهر الكريم تصل إلى ذروتها فى ليلة القدر التى حظيت بأغنيات خاصة شديدة العذوبة رغم ندرتها.

وحسب الإمام محمد عبده، فإن ليلة القدر سميت بذلك «إما بمعنى التقدير لأن الله ابتدأ فيها تقدير نبيه فى لحظة تنبيهه إلى دعوة الناس إلى ما ينقذهم مما كانوا فيه أو بمعنى العظمة والشرف من قولهم فلان له قدر».

وقد اختلف الناس فى تحديد ليلة القدر والجمهور أنها فى العشر الأواخر، وحكى عن الحسن ومالك أنها تطلب فى جميع الليالى العشر، وروى عن مسلم بن كعب قال «والله إنى أعلم أى ليلة هى.. هى الليلة التى أمرنا رسول الله بقيامها وهى ليلة سبع وعشرين»، وثبت عن الرسول قوله «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، ويبقى القول الفصل فى كتابه العزيز: «إنا أنزلناه فى ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هى حتى مطلع الفجر».

هذه الكرامة الواضحة لإحدى الليالى فى العشر الأخيرة من أيام التوحيش، ترسخت فى أذهان مبدعى أغانى رمضان، وتسللت عبر موسيقاها وكلماتها.

أغنية فريد الأطرش «هلت ليالى».. ومن بعدها جاءت أغنيات لإيهاب توفيق.. وصابر الرباعى.. وحمزة نمرة.. وأخيرًا أحمد جمال من ألحانه وكلمات نورالدين محمد:

سلام من ربنا ع الكون

يا رب اكتب تفوز ونكون

وأغانى الوداع أو التوحيش.. قديمة.. منها ما غناه كارم محمود عام ١٩٥٥.. بالفصحى:

يا عين جودى بالدموع وودعـى

شهر به غفر الكريم ذنوبنا

وبه استجاب الله كل دعانا

وفى وداع رمضان أيضًا غنى حليم الرومى فى نفس الفترة.. وغنى شفيق جلال:

يا هل ترى حتطول علينا السنة..

وغنى محمد رشدى من ألحان حسين فوزى وكلمات محمد ياسين قاسم.

يوم ورا يوم الشهر بيجرى

لسه يا دوب بتقول أهو جانا

محمد رشدى نفسه طلب من الشاعر كمال عمار الذى كتب ولحن حسين فوزى واحدة من أجمل أغنيات الشهر:

«يا بركة رمضان خليكى فى الدار يا بركة رمضان هلّى.. خلى دارنا عمار».

وحسب محمد رشدى فى مذكراته فقد التقى بالشاعر على باب الإذاعة، وطلب منه أن يكتب له على تلك التيمة التى كان يسمعها من نساء قريته فى دسوق، فكانت الأغنية: «يا بركة رمضان خليكى م العام للعام عايشة معانا إحنا قلوبنا بتسعد بيكى وإنتى الهدى لنفوس حيرانة».

حفيدة الشيخ ندا.. سلطانه الليالى السمحة

فوقية محمود أحمد ندا التى نعرفها باسم شريفة فاضل.. هى حفيدة مؤسس دولة التلاوة فى مصر الشيخ أحمد ندا.. انفصلت والدتها عن ابن الشيخ وتزوجت من إبراهيم الفلكى أحد أشهر أثرياء مصر، والذى يسمى ميدان الفلكى بوسط القاهرة باسمه.. لتعيش معه ومع والدتها فى عوامة شهيرة على النيل.. كان يزورها كبار رجال المال والسياسة فى مصر ومنهم الملك فاروق.. وأحدهم رجل الصناعة الشهير السيد ياسين الذى سمع صوتها، فاقترح على والدتها أن تدخل إلى عالم الفن، فكانت مشاركتها فى فيلم «الأب» الذى غنت فيه وهى طفلة.

جينات المشايخ التى حملتها شريفة فاضل.. لم تتأثر بعالم الليل الذى أصبحت إحدى نجماته الكبار.. وظهر ذلك جليًا فى أغنياتها لشهر رمضان أو التى جاءت فى سياق صوفى بشكل عام.

ومن أغنياتها لشهر رمضان تلك التى أشرنا إلى التوظيف السياسى فيها، «شمعة بيضا.. شمعدانها فضة».. وهناك أيضًا:

وهناك أغنية من النوادر التى لم يعد المسئولون عن الإذاعة المصرية يقدمونها بلا مبرر مفهوم.. اسمها «إبريق على جبين السما فضة».. كتبها كمال عمار.. ولحنها عبدالعظيم محمد.

إبريق على جبين السما فضة

وقاله أهلا يا نور رمضان

يا مدفع المغرب.. أمان وأبان

وغنت أيضًا لرجال أكتوبر.. رجال رمضان.. من كلمات نبيلة قنديل وألحان على إسماعيل:

يا معلم ع الضى علامة

يا مسطر ع الرملة أمارة

ورغم تعدد وتنوع مضامين أغنيات شريفة فاضلة لرمضان، بقيت أغنيتها فى وداع الشهر «تم البدر بدرى»، هى الأشهر والأقرب إلى المزاج المصرى الذى اعتبرها أغنية ختام الشهر:

المقدمة الموسيقية التى يتلوها صوت الكورال بالكلمات السابقة، تخطف القلب وتشعر فورًا أنك تودع حبيبًا على محطة القطار أو فى ساحة الانتظار للمودعين فى المطار.. هذه البساطة التى يدخلك بها عبدالعظيم محمد إلى ما كتبه عبدالفتاح مصطفى الذى يعلن أنه «قمر ١٤»، وقد تم اكتماله استعدادًا للرحيل، تؤكد أنه رجل صوفى بامتياز يعرف مفاتيح لغة الموسيقى الفذة بامتياز.. فمن أين جاء بها؟.

هو من مظاليم الخمسينيات وما بعدها.. فقد لحن لكبار مطربى عصره عبده السروجى وسعاد مكاوى وعائشة حسن ونازك وهدى سلطان وليلى مراد ومحمد رشدى وعبدالحليم حافظ أيضًا.

ومن أغنياته التى نسمعها كل يوم على مدار نصف قرن ولا نعرف من صنعها، التتر المميز للبرنامج الصباحى «المرور»، والتى تغنيها نجاح سلام من كلمات الأبنودى «بالسلامة يا حبيبى بالسلامة».. والغريب أنه كان يعمل بالهندسة مدرسًا بجامعة عين شمس.. هو صعيدى الأصل بالتحديد من محافظة المنيا.. الغناء الشعبى تسلل إلى مخيلته، فبدا بذلك بوضوح فى تجلياته الشعبية «يا ليلة ما جانى الغالى» لمحمد رشدى.. وأيضا سلاسل فضة.. وماشى كلامك ماشى لمحمد قنديل.. والدرة المكنونة فى حنجرة محمد عبدالمطلب «فى قلبى غرام».

هو ملحن صاحب جمل شعبية شرقية صرف.. وكل هذا وضعه عبدالعظيم محمد فى أغنية شريفة فاضلة التى جاء من يلطش تيمتها الأساسية بعد سنوات، ويضع منها لحن «تسلم الأيادى».

فى فرحة سلامك.. ولا وداع صيامك

والله لسه بدرى.. والله يا شهر الصيام

مثلما يبدأ رمضان مبكرًا بالأطفال وأغنياتهم.. يبدأ الاستعداد لأيام وداعه من عند الأطفال أيضًا.. فحسب عبدالحميد حواس فى كتابه عن «بركة رمضان».. يبدأ الأطفال فى هذا التوقيت من الشهر فى تحول أغنياتهم من وداع رمضان لاستقبال العيد.. مثلما هو الحال فى أغنياتهم «يا برتقان أحمر وجديد.. بكرة الوقفة وبعده العيد».. وعادة ما كانوا يشرعون فى موكب بعد حصولهم على العيدية فى الأيام الأخيرة للشهر.. يسيرون فى زفة تتقدمها الكسوة الجديدة ونماذج من الكعك والسكر والشربات، وهى الهدية التى يقدمها أهل الخاطب حديثًا إلى أهل خطيبته، وتحمل النساء وخلفهن الأطفال مكونات الهدية فى سلال على رءوسهن وهن ماشيات يزغردن فيما يغنى الأطفال.

نفس الشكل تقريبًا ترصده كتب التراث فى وداع الجمعة اليتيمة التى ابتدع الفاطميون الاحتفال بها، حيث كان الأطفال يتجمعون على مائدة إفطار جماعية استمرارًا لتقليد يسمونه «الضهو» يتبادل فيه الأطفال وجبات مشتركة ويقيمون قبة من الطوب، بحيث تتسع لوضع ما جلبوه من طعام داخلها يدورون حولها يغنون:

«يا رمضان يا بوصحن نحاس يا داير فى بلاد الناس سُقت عليك أبوالعباس خليك عندنا الليلة».

وحسب مصطفى عبدالرحمن فى كتابه «رمضانيات»، فإن تلك الجمعة يسمونها اليتيمة لتفردها بالحسن والبهاء.. إلا أن الكاتب يرجح أن التسمية تعود كونها الجمعة الأخيرة من الشهر لا تكرار لها.. وشهدت مصر أيام الملكية مواكب للملك فؤاد ومن بعده فاروق للاحتفال بها فى مسجد عمرو بن العاص.. تلك الاحتفالات اختفت تمامًا الآن مثلما اختفت عادات أخرى مثل «الكسوة».

وكسوة العيد هذه.. كان لها يوم احتفال ضخم لدرجة أن الفاطميين كانوا يسمون عيد الفطر «عيد الحلل»، وكانت هناك دار يسمونها دار الكسوة توزع من خلالها كسوات العيد على أربابها من أول الوزير مرورًا بالأمراء، وحتى الموظفين الصغار فى الدواوين.. وكانت الأوامر تقضى بتوزيعها فى الليلة قبل الأخيرة لرمضان، حتى إذا ما نزل الخليفة فى موكبه لصلاة العيد، كانت الأجواء كلها ملابس جديدة كرنفالية.. ومثلما كانت هناك دار للكسوة، كانت هناك دار للفطرة.. لتجهيز ما يساعد الناس على الاستعداد لبهجة العيد.. وكان مكانها بجوار الباب الأخضر بالمشهد الحسينى وقدرت المصادر ما كان يخبز بها بـ«ألف إردب وسبعمائة قنطار سكر وستة قناطير قلب فستق وثمانية قناطير لب لوز و٤ قناطير لب بندق و٢٠٠ إردب زبيب و٢٠٠ قنطار زيت، ومثلها سمسم و٢٠ قنطار ماورد».

أجواء الاستعداد تلك سجلتها الأغنيات الشعبية، قبل أن ينتقل مداها إلى الأغنيات الرسمية.

يا كحك العيد يا إحنا

ما حدش حلو إلا إحنا

ومن الأغنيات الأولى التى سجلت حالات الاحتفاء بكحك العيد، أغنية مجهولة المؤلف والملحن للست رتيبة أحمد.. وهى مطربة معروفة بغناء «الأغانى القبيحة» أو «أغانى قلة الأدب»، رغم أنها شقيقة مطربة القطرين فتحية أحمد.. تلك الأعنية هى أول نص لحنى يسجل خناقة امرأة مع زوجها، بسبب فلوس كحك العيد وتهديدها له بالغضب فى بيت أهلها.

حتلف ليه فى كحك العيد