07/03 09:23
قال تعالي : {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِاَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ اِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ اِلَيْكُمْ وَاَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}.. [البقره : 272].
اصل هذه المساله ان بعض السابقين الي الاسلام كانت لهم قرابات لم تسلم. وكان هؤلاء الاقرباء من الفقراء وكان المسلمون يحبون ان يعطوا هؤلاء الاقارب الفقراء شيئا من مالهم، ولكنهم تحرجوا ان يفعلوا ذلك فسالوا رسول الله صلي الله عليه وسلم في هذا الامر.
وها هي ذي أسماء بنت أبي بكر الصديق وامها (قُتَيْلَهَ) كانت مازالت كافره. وتسال اسماء رسول الله صلي الله عليه وسلم ان تعطي من مالها شيئا لامها حتي تعيش وتقتات. وينزل الحق سبحانه قوله: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَاءُ}، وعن اسماء بنت ابي بكر رضي الله عنهما قالت: «قدمت علي امي وهي مشركه في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلي الله عليه وسلم قلت: قدمتْ عليّ امي وهي راغبه. افاصل امّي؟ قال: نعم صلي امّكِ». ولقد اراد بعض من المؤمنين ان يضيقوا علي اقاربهم ممن لم يؤمنوا حتي يؤمنوا، لكن الرحمن الرحيم ينزل القول الكريم: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَاءُ}.
انه الدين المتسامي. دين يريد ان نعول المخلوق في الارض من عطاء الربوبيه وان كان لا يلتقي معنا في عطاء الالوهيه؛ لان عطاء الالوهيه تكليف، وعطاء الربوبيه رزق وتربيه.
والرزق والتربيه مطلوبات لكل من كان علي الارض؛ لاننا نعلم ان احداً في الوجود لم يستدع نفسه في الوجود، وانما استدعاه خالقه، وما دام الخالق الاكرم هو الذي استدعي العبد مؤمناً او كافراً، فهو المتكفل برزقه. والرزق شيء، ومنطقه الايمان بالله شيء اخر، فيقول الحق: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَاءُ}.
او ان الايه حينما نزلت في الحثّ علي النفقه ربما ان بعض الناس تكاسل، وربما كان بعض المؤمنين يعمدون الي الرديء من اموالهم فينفقونه.
واذا كان الاسلام قد جاء ليواجه النفس البشريه بكل اغيارها وبكل خواطرها، فليس بعجيب ان يعالجهم من ذلك ويردهم الي الصواب ان خطرت لهم خاطره تسيء الي السلوك الايماني.
وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم يحب حين ينزل اي امر ان يلتفت المسلمون اليه لفته الاقبال بحراره عليه، فاذا راي تهاوناً في شيء من ذلك حزن، فيوضح له الله: عليك ان تبلغهم امر الله في النفقه، وما عليك بعد ذلك ان يطيعوا. {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَاءُ}.
ولقائل ان يقول: ما دام الله هو الذي يهدي فيجب ان نترك الناس علي ما هم عليه من ايمان او كفر، وما علينا الا البلاغ، ونقول لاصحاب هذا الراي: تنبهوا الي معطيات القران فيما يتعلق بقضيه واحده، هذه القضيه التي نحن بصددها هي الهدايه، ولنستقرئ الايات جميعا، فسنجد ان الذين يرون ان الهدايه من الله، وانه ما كان يصح له ان يعذب عاصياً، لهم وجهه نظر، والذين يقولون: ان له سبحانه ان يعذبهم؛ لانه ترك لهم الخيار لهم وجهه نظر، فما وجهه النظر المختلفه حتي يصير الامر علي قدر سواء من الفهم؟
ان الحق سبحانه وتعالي حينما يتكلم في قرانه الكلام الموحَي، فهو يطلب منا ان نتدبره، ومعني ان نتدبره الا ننظر الي واجهه النص ولكن يجب ان ننظر الي خلفيه النص.
{اَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ} يعني لا تنظر الي الوجه، ولكن انظر ما يواجه الوجه وهو الخلف. {اَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القران}.. [النساء: 82].
فالحق سبحانه وتعالي قد قال: {وَاَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمي عَلَي الهدي}.. [فصلت: 17].
كيف يكون الله قد هداهم، ثم بعد ذلك يستحبون العمي علي الهدي؟ اذن معني (هداهم) اي دلهم علي الخير. وحين دلَّهم علي الخير فقد ترك فيهم قوه الترجيح بين البدائل، فلهم ان يختاروا هذا، ولهم ان يختاروا هذا، فلما هداهم الله ودلَّهم استحبوا العمَي علي الهدي. والله يقول لرسوله في نصين اخرين في القران الكريم: {اِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ اَحْبَبْتَ}.. [القصص: 56].
فنفي عنه انه يهدي. واثبت له الحق الهدايه في ايه اخري يقول فيها: {وَاِنَّكَ لتهدي الي صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.. [الشوري: 52].
فكيف يثبت الله فعلاً واحداً لفاعل واحد ثم ينفي الفعل ذاته عن الفاعل ذاته؟ نقول لهم: رسول الله صلي الله عليه وسلم ان يدل الناس علي منهج الله ولكن ليس عليه ان يحملهم علي منهج الله؛ لان ذلك ليس من عمله هو، فاذا قال الله: {اِنَّكَ لتهدي} اي لا تحمل بالقصر والقهر من احببت، وانما انت (تهدي) اي تدل فقط، وعليك البلاغ وعلينا الحساب.
اذن فقول الحق: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَاءُ} ليس فيه حجه علي القسريه الايمانيه التي يريد بعض المتحللين ان يدخلوا منها الي منفذ التحلل النفسي عن منهج الله ونقول لهؤلاء: فيه فرق بين هدايه الدلاله وهدايه المعونه، فالله يهدي المؤمن ويهدي الكافر اي يدلهم، ولكن من امن به يهديه هدايه المعونه، ويهديه هدايه التوفيق، ويهديه هدايه تخفيف اعمال الطاعه عليه.
{لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلاَنْفُسِكُم} تلك قضيه تعالج الشُح منطقياً، وكل معطٍ من الخلق عطاؤه عائد اليه هو، ولا يوجد معطٍ عطاؤه لا يعود عليه الا الله، هو وحده الذي لا يعود عطاؤه لخلقه عليه، لانه سبحانه ازلا وقديما وقبل ان يخلق الخلق له كل صفات الكمال، فعطاء الانسان يعود الي الانسان وعطاء ربنا يعود الينا.
ولذلك قال بعض السلف الذين لهم لمحه ايمانيه: ما فعلت لاحد خيراً قط؟ فقيل له: اتقول ذلك وقد فعلت لفلان كذا ولفلان كذا ولفلان كذا؟ فقال: انما فعلته لنفسي.
فكانه نظر حينما فعل للغير انه فعل لنفسه. ولقد قلنا سابقا: ان العارف بالله (الحسن البصري) كان اذا دخل عليه من يساله هشّ في وجهه وبشّ وقال له: مرحباً بمن جاء يحمل زادي الي الاخره بغير اجره.