09/02 01:00

قال تعالي: {اِنَّ اللَّهَ اصْطَفَي ادَمَ وَنُوحًا وَالَ اِبْرَاهِيمَ وَالَ عِمْرَانَ عَلَي الْعَالَمِينَ}.. [ال عمران : 33].

انها عداله القران الكريم، انه الحق العادل الذي ينزل علي الرسول بلاغا يذكر الابناء بطهاره اصول الاباء، ومن الخساره ان يصير الابناء الي ما هم عليه. {اِنَّ الله اصطفي ءَادَمَ} وكلمه {اصطفي} تدل علي اختيار مُرضٍ. ولنا ان نسال: هل اصطفي الحق هؤلاء الرسل، ادم ونوحاً، وال ابراهيم، وال عمران فكانوا طائعين، ام علم الحق ازلا انهم يكونون طائعين فاصطفاهم؟ ان الحق علمه ازلي، وعلمه ليس مرتبا علي كل شيء. وساعه ان تاتي انت بقانونك البشري وتتفرس في انسان ما، وتوليه امرا، وينجح فيه، هنا تهنئ نفسك بان فراستك كانت في محلها، بعلم الله واقتداره؟

ان الذين اصطفاهم الله هم الذين علم الله ازلا انهم سيكونون طائعين، وقد يقول قائل: انهم طائعون لله بالاصطفاء، لمثل هذا القائل نرد: انهم طائعون بالنفس العامه ويكونون في مزيد من الطاعه بعد ان ياخذوا التكليف بالنفس الخاصه، انهم طائعون من قبل ان ياخذوا امور التكليف، ولو تركهم الحق للامور العقليه لاهتدوا الي طاعته، وعندما جاءهم الامر التكليفي ويصطفيهم الله يكونون رسلا وحمله منهج سماوي.

عندما يسمع الانسان قول الحق: {اِنَّ الله اصطفي ءَادَمَ} فقد يتساءل عن معناها، ذلك ان من اصطفاء الله لادم تاتي الي الذهن بمعني (خصه) بنفسه او اخذه صفوه من غيره، فكيف كان اصطفاء ادم، ولم يكن هناك احد من قبله، او معه لانه الخلق الاول؟ اننا يمكن ان نعرف بالعقل العادي ان اصطفاء الله لنوح عليه السلام؛ كان اصطفاء من بشر موجودين، وكذلك اصطفاء ابراهيم خليل الرحمن وبقيه الانبياء.

اذن، فكيف كان اصطفاء ادم؟ ان معني {اصطفي ءَادَمَ}- كما قلنا- تعني ان الله قد اختاره او ان (المصطفي عليه) ياتي منه ومن ذريته. نعم وقد جاء المصطفي عليه من ذريته، وهذا المعني يصلح، والمعني السابق عليه يصلح ايضا. ان الحق يقول: {اِنَّ الله اصطفي ءَادَمَ وَنُوحاً} ونحن نعلم ان سيدنا نوحاً عليه السلام واجه جماعه من الكافرين به، فاغرقهم الله في الطوفان، ونجا نوح ومن معه بامر الله. {حتي اِذَا جَاءَ اَمْرُنَا وَفَارَ التنور قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين وَاَهْلَكَ اِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول وَمَنْ امَنَ وَمَا امَنَ مَعَهُ اِلاَّ قَلِيلٌ}.. [هود: 40].

ان الذين بقوا من بعد نوح عليه السلام كانوا مؤمنين، ثم تعرضوا للاغيار. وجاءت هذه الاغيار في اعقابهم، فنشا كفر وايمان، لماذا؟ لان ادم عليه السلام حين خلقه الله وضع له التجربه التكليفيه في الجنه، كان من الواجب ان ينقل ما علمه له الله لابنائه.

لقد نقل ادم لهم مسائل صيانه مادتهم وعلمهم كيف ياكلون، وكيف يشربون، وغير ذلك.

وكان يجب ان تكون معهم القيم. ان ادم عليه السلام قد ادي ذلك، وعلم ابناءه كيفيه صيانه مادتهم وعلمهم القيم ايضا، ولكن بمرور الزمان، ظل بعض من ابناء ادم يتخففون من التكاليف حتي اندثرت وذهبت. ومن رحمه الله بخلقه يجدد سبحانه وتعالي الرساله ببعث رسول جديد.

والرساله الجديده تعطي ما كان موجودا اولا، فيما يتعلق بالعقائد والاخبار، والاشياء التي لا تتغير، وتاتي الرساله الجديده بالاحكام المناسبه لزمن الرساله. فاذا ما امكن للبشر ان يعدلوا من سياسه البشر، يظل الامر كما هو، فان ارتكب واحد منكرا وضرب قومه علي يده، استقام امر الرساله وبقيت هذه الامه علي الخير. لماذا؟ لان مصافي اليقين في النفس الانسانيه موجوده، ونحن نراها ونلمسها. ان هناك واحدا تجد مصافي اليقين في ذاته، وقد لا يقدر علي نفسه، فيرتكب المعصيه، وتلومه نفسه، فيرجع عن المعصيه.

ومره اخري نجد انسانا اخر لا يجد في نفسه مصافي اليقين، ولكنها موجوده في غيره، فنجد من يامره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، فاذا امتنعت المصافي الذاتيه للايمان، وكذلك امتنعت المصافي الايمانيه في المجتمع، فلا امل هنالك، لذلك يجب ان ياتي رسول جديد، وينبه الناس بمعجزه ما.

لقد شاءت اراده الحق سبحانه الا ياتي رسول اخر بعد سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم، وفي ذلك شهاده لامه محمد صلي الله عليه وسلم بان الله امنها علي منهج الله، فاذا مُنِعت من اي نفس مصافيها الذاتيه فستبقي مصافيها الاجتماعيه، ولابد ان يكون في امه محمد ذلك؛ لان امتناع ذلك كان يستدعي وجود نبيّ جديد.

ان الله امن امه محمد علي منهجه، ولذلك لم يات نبيّ بعد سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم. لقد امن الحق امه محمد فلم يمنع فيها ابدا المصافي الذاتيه او الاجتماعيه، ولذلك ياتي القول الحق: {كُنْتُمْ خَيْرَ اُمَّهٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَاْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله}.. [ال عمران: 110].

ان هذا توجيه لنا من الحق لنعرف ان المصافي الاجتماعيه ستظل موجوده في امه سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم، اذن فبعد حدوث الغفله من بعد نوح عليه السلام جاء الله باصطفاءات اخري رحمه منه بالعالمين، ويقول الحق: {اِنَّ الله اصطفي ءَادَمَ وَنُوحاً وَالَ اِبْرَاهِيمَ وَالَ عِمْرَانَ عَلَي العالمين}. ونحن نقول علي ابراهيم عليه السلام: (ابو الانبياء) واورد الحق نبا بعض من ابناء ال ابراهيم، وهم ال عمران واعطاهم ميزه.

وكلمه (عمران) هذه حين ترد في الاسلام فلنا ان نعرف ان هناك اثنين لهما الاسم نفسه، هناك (عمران) والد موسي وهارون عليهما السلام. وهناك ( عمران) اخر. ان عمران والد موسي وهارون كان اسم ابيه (يصهر) وجده اسمه (فاهاث) ومن بعده (لاوي) ومن بعده (يعقوب)، ومن بعده (اسحق)، وبعده (ابراهيم)، اما عمران الاخر، فهو والد مريم عليها السلام.

وقد حدث اشكال عند عدد من الدارسين هو (اي العمرانين يقصده الله هنا؟) والذي زاد من حيره هؤلاء العلماء هو وجود اخت لموسي وهارون عليهما السلام اسمها مريم، وكانت ابنه عمران والد موسي وهارون فكلتاهما اسمها مريم بنت عمران. وكانوا في ذلك الزمن يتفاءلون باسم (مريم) لان معناه ( العابده)، ولما اختلفوا لم يفطنوا الي ان القران قد ابان واوضح المعني، وكان يجب ان يفهموا ان المقصود هنا ليس عمران والد موسي وهارون عليهما السلام، بل عمران والد مريم، ومنها عيسي عليه السلام، وعمران والد مريم هو ابن ماثان، وهو من نسل سليمان، وسليمان من داود، وداود من اوشي، واوشي من يهوذا، ويهوذا من يعقوب، ويعقوب من اسحق.