07/29 18:02
قال تعالي: {هُوَ الَّذِي اَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ اُمُّ الْكِتَابِ وَاُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَاَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَهِ وَابْتِغَاءَ تَاْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاْوِيلَهُ اِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ امَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ اِلَّا اُولُو الْاَلْبَابِ}.. [ال عمران : 7].
اذن فبعدما صورنا في الارحام كيف يشاء علي مُقتضي حكمته لن يترك الصور بدون منهج للقيم، بل صنع منهج القيم بان انزل القران وفيه منهج القيم، ولابد ان ناخذ الشيء بجوار الحكمه منه، واذا اخذنا الشيء بجوار الحكمه منه يوجد كل امر مستقيما كله جميل وكله خير. فيقول سبحانه: {هُوَ الذي اَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ ايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ}.
ماذا يعني الحق بقول: {ايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ}؟ ان الشيء المحكم هو الذي لا يتسرب اليه خلل ولا فساد في الفهم؛ لانه محكم، وهذه الايات المحكمه هي النصوص التي لا يختلف فيها الناس، فعندما يقول: {والسارق والسارقه فاقطعوا اَيْدِيَهُمَا}.. [المائده : 38].
هذه ايه تتضمن حُكما واضحا. وهو سبحانه يقول: {الزانيه والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا}.. [النور : 2].
هذه ايضا امور واضحه، هذا هو المُحكم من الايات، فالمُحكم هو ما لا تختلف فيه الافهام؛ لان النص فيه واضح وصريح لا يحتمل سواه، و(المُتشابه) هو الذي نتعب في فهم المراد منه، ومادمنا سنتعب في فهم المراد منه فلماذا انزله؟
ويوضح لنا سبحانه كما قلت لك خذ الشيء مع حكمته كي تعرف لماذا نزل؟ فالمُحْكم جاء للاحكام المطلوبه من الخلق، اي افعل كذا، ولا تفعل كذا، ومادامت افعالا مطلوبه من الخلق فالذي فعلها يُثاب عليها، والذي لم يفعلها يُعاقب، اذن فسيترتب عليها ثواب وعقاب، فياتي بها صوره واضحه، والا لقال واحد: (انا لم افهم)، ان الاحكام تقول لك: (افعل كذا ولا تفعل كذا) فهي حين تقول: (افعل)؛ انت صالح الا تفعل، فلو كنت مخلوقاً علي انك تفعل فقط؛ لا يقول لك: افعل، لكن لانك صالح ان تفعل والا تفعل فهو يقول لك: (افعل).
وساعه يقول لك: (لا تفعل)، فانت صالح ان تفعل، فلا يقال: (افعل ولا تفعل) الاّ لانه خلق فيك صلاحيه ان تفعل او لا تفعل، ونلحظ انه حين يقول لي: افعل كذا ولا تفعل كذا يريد ان اقف امام شهوه نفسي في الفعل والترك، ولذلك يقول الحق في الصلاه: {وَاِنَّهَا لَكَبِيرَهٌ اِلاَّ عَلَي الخاشعين}.. [البقره : 45].
فعندما يقول لي: (افعل ولا تفعل) معناها: ان فيه اشياء تكون ثقيله ان افعلها، وان شيئا ثقيلا علي ان اتركه، فمثلا البصر خلقه الله صالحا لان يري كل ما في حيِّزه. علي حسب قانون الضوء، والحق يقول له: {قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والارض}.. [يونس : 101].
ولكن عند المراه التي لا يحل لك النظر اليها يقول الحق: اغضض.
{قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ اَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذلك ازكي لَهُمْ اِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ اَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}.. [النور : 30-31].
ومعني {يَغُضُّواْ} و{يَغْضُضْنَ} انه سبحانه حدد حركه العين، ومثال اخر؛ اليد تتحرك فيامرك سبحانه الاّ تحركها الا في مامور به، فلا تضرب بها احداً، ولا تشعل بها ناراً تحرق وتفسد بل اشعل بها النار لتطبخ مثلاً.
اذن فهو سبحانه ياتي في (افعل ولا تفعل) ويحدد شهوات النفس في الفعل او الترك، فان كانت شهوه النفس بانها تنام، يقول الامر التعبدي: قم وصل، وان كانت شهوه النفس بانها تغضب يقول الامر الايماني: لا تغضب.
اذن فالحكم انما جاء بافعل ولا تفعل لتحديد حركه الانسان، فقد يريد ان يفعل فعلاً ضاراً؛ فيقول له: لا تفعل، وقد يريد الاّ يفعل فعل خير يقول له: افعل. اذن فكل حركات الانسان محكومه ب (افعل ولا تفعل)، وعقلك وسيله من وسائل الادراك، مثل العين والاذن واللسان. ان مهمه العقل ان يدرك، فتكليفه يدعوه الي ان يفهم امراً ولا يفهم امرا اخر، وجعل الله الايات المحكمات ليريح العقل من مهمه البحث عن حكمه الامر المحكم؛ لانها قد تعلو الادراك البشري. ويريد الحق ان يلزم العبد اداب الطاعه حتي في الشيء الذي لا تدرك حكمه تشريعه، وايضا لتحرك عقلك لترد كل المتشابه الي المحكم من الايات. واذا قرانا قول الحق: {لاَّ تُدْرِكُهُ الابصار وَهُوَ يُدْرِكُ الابصار وَهُوَ اللطيف الخبير}.. [الانعام : 103].
نري ان ذلك كلام عام. وفي ايه اخري يقول سبحانه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَهٌ الي رَبِّهَا نَاظِرَهٌ}.. [القيامه : 22-23].
ويتكلم عن الكفار فيقول: {كَلاَّ اِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}.. [المطففين : 15].
اذن فالعقل ينشغل بقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الابصار}، وهذا يحدث في الدنيا، اما في الاخره فسيكون الانسان قد تم اعداده اعداداً اخر ليري الله، نحن الان في هذه الدنيا بالطريقه التي اعدنا بها الله لنحيا في هذا العالم لا نستطيع ان نري الله، ومساله اعداد شيء ليمارس مهمه ليس مؤهلا ولا مهيا لها الان، امر موجود في دنيانا، فنحن نعرف ان انسانا اعمي يتم اجراء جراحه له او يتم صناعه نظاره طبيه له فيري. ومن لا يسمع او ثقيل السمع نصنع له سماعه فيسمع بها.
فاذا كان البشر قد استطاعوا ان يُعِدُّوا بمقدوراتهم في الكون المادي اشياء لتؤهلهم الي استعاده حاسه ما، فما بالنا بالخالق الاكرم الاله المُربّي، الا يستطيع ان يعيد خلقنا في الاخره بطريقه تتيح لنا ان نري ذاته ووجهه؟! انه القادر علي كل شيء.
اذن فالامر هنا متشابه، ان الله يُدرَك بضم الياء وفتح الراء او لا يُدْرَك، فما الذي تغير من الاحكام بالنسبه لك؟ لا شيء. اذن فهذه الايات المتشابهات لم تاتِ من اجل الاحكام، انما هي قد جاءت من اجل الايمان فقط، ولذلك فالرسول صلي الله عليه وسلم ينهي كل خلاف للعلماء حول هذه المساله بقوله وهو الرسول الخاتم: «ان القران لم ينزل ليكذب بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه منه فامنوا به».
ان المُتشَابه من الايات قد جاء للايمان به، والمُحْكَم من الايات انما جاء للعمل به، والمؤمن عليه دائما ان يرد المُتشَابِه الي المُحْكَم. مثال ذلك عندما نسمع قول الله عز وجل: {اِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ اِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ اَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَاِنَّمَا يَنكُثُ علي نَفْسِهِ وَمَنْ اوفي بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ الله فَسَيُؤْتِيهِ اَجْراً عَظِيماً}.. [الفتح : 10].
ان الانسان قد يتساءل: (هل لله يد)؟ علي الانسان ان يرد ذلك الي نطاق {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. وعندما يسمع المؤمن قول الحق: {الرحمن عَلَي العرش استوي}... [طه : 5].
فهل لله جسم يستقر به علي عرش؟ هنا نقول: هذا هو المُتشَابِه الذي يجب علي المؤمن الايمان به، ذلك ان وجودك ايها الانسان ليس كوجود الله، ويدك ليست كيد الله وان استواءك ايضا ليس كاستواء الله. ومادام وجوده سبحانه ليس كوجودك وحياته ليست كحياتك فلماذا تريد ان تكون يده كيدك؟
هو كما قال عن نفسه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. ولماذا ادخلنا الله الي تلك المجالات؟ لان الله يريد ان يُلفت خلقه الي اشياء قد لا تستقيم في العقول؛ فمن يتسع ظنه الي ان يؤول ويردها الي المُحْكَم بان الله ليس كمثله شيء. فله ذلك، ومن يتسع ظنه ويقول: انا امنت بان لله يداً ولكن في اطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فله ذلك ايضا وهذا اسلم.
والحق يقول: {مِنْهُ ايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ اُمُّ الكتاب} ومعني {اُمُّ} اي الاصل الذي يجب ان ينتهي اليه تاويل المُتشَابه ان اوّلت فيه، او تُرجعه الي المُحكم فتقول: ان لله يداً، ولكن ليست كايدي البشر. انما تدخل في نطاق: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.. [الشوري : 11].
ولماذا قإل ألحق: {هُنَّ اُمُّ الكتاب}؟ ولم يقل: هن امهات الكتاب؟ لك ان تعرف ايها المؤمن انه ليس كل واحده منهن اما، ولكن مجموعها هو الام، ولتوضيح ذلك فلنسمع قول الحق: {وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَاُمَّهُ ايَهً وَاوَيْنَاهُمَا الي رَبْوَهٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}.. [المؤمنون : 50].
لم يقل الحق: انهما ايتان؛ لان عيسي عليه السلام لم يوجد كايه الا بميلاده من امه دون اب اي بضميمه امه، وام عيسي لم تكن ايه الا بميلاد عيسي اي بضميمه عيسي. اذن فهما معاً يكونان الايه، وكذلك {هُنَّ اُمُّ الكتاب وَاُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} فالمقصود بها ليس كل محكم اُمّا للكتاب، انما المحكمات كلها هي الام، والاصل الذي يَرُدُّ اليه المؤمن ايَّ متشابهٍ. ومهمه المحكم ان نعمل به، ومهمه المتشابه ان نؤمن به؛ بدليل انك ان تصورته علي اي وجه لا يؤثر في عملك.
فقوله الحق: {لاَّ تُدْرِكُهُ الابصار} لا يترتب عليه اي حكم، هنا يكفي الايمان فقط.
لكن ماذا من امر الذين قال عنهم الله: {فَاَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابتغاء الفتنه وابتغاء تَاْوِيلِهِ}؟. ولنا ان نعرف ان (الزيغ) هو الميْل، فزاغ يعني مال، وهي ماخوذه من تزايغ الاسنان، اي اختلاف منابتها، فسنَّهٌ تظهر داخله، واخري خارجه، وعندما لا تستقيم الاسنان في طريقه نموها يصنعون لها الان عمليات تجميل وتقويم ليجعلوها صفاً واحداً.
ان الذين في قلوبهم زيغ اي ميل، يتبعون ما تشابه من الايات ابتغاء الفتنه. كان الزيغ امر طارئ علي القلوب، وليس الاصل ان يكون في القلوب زيغ، فالفطره السليمه لا زيغ فيها، لكن الاهواء هي التي تجعل القلوب تزيع، ويكون الانسان عارفاً لحكم الله الصحيح في امر ما، لكن هوي الانسان يغلب فيميل الانسان عن حكم الله. والميل صنعه القلب، فالانسان قد يخضع منطقه وفكره ليخدم ميل قلبه، ولذلك فرسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «لا يؤمن احدكم حتي يكون هواه تبعاً لما جئت به».
لماذا؟ لان افه الراي الهوي، وحتي المنحرفون يعرفون القصد السليم، لكن الواحد منهم ينحرف لما يهوي، ودليل معرفه المنحرف للقصد السليم انه بعد ان ياخذ شرّته في الانحراف يتوب ويعلن توبته، وهذا امر معروف في كثير من الاحيان؛ لان الميل تَكَلَّفٌ تبريري، اما القصد السليم فامر فطري لا يُرهِق، ومثال ذلك: عندما ينظر الانسان الي حلاله، فانه لا يجد انفعال ملكه يناقض انفعال ملكه اخري، ولكن عندما ينظر الي واحده ليست زوجته، فان ملكاته تتعارك، ويتساءل: هل ستقبل منه النظره ام لا؟ ان ملكاته تتضارب، اما النظر الي الحلال فالملكات لا تتعب فيه. لذلك فالايمان هو اطمئنان ملكات، فكل ملكات الانسان تتازر في تكامل، فلا تسرق ملكه من وراء اخري.
مثال اخر: عندما يذهب واحد لاحضار شيء من منزله، فانه لا يحس بتضارب ملكاته، اما اذا ذهب انسان اخر لسرقه هذا الشيء فان ملكاته تتضارب، وكذلك جوارحه؛ لانها خالفت منطق الحق والاستقامه والواقع.
{فَاَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابتغاء الفتنه وابتغاء تَاْوِيلِهِ} اذن فاتباعهم للمتشابه منه ليؤوّلوه تاويلاً يخالف الواقع ليخدموا الزيغ الذي في قلوبهم. فالميل موجود عند قلوبهم اولاً ثم بدا الفكر يخضع للميل، والعباره تخضع للفكر، وهكذا نري ان الاصل في الميل قد جاء منهم.. ولننظر الي اداء القران الكريم حين يقول: {فَلَمَّا زاغوا اَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ}.. [الصف : 5].
كانه يقول: مادمتم تريدون الميل فساميلكم اكثر واساعدكم فيه. والحق سبحانه لا يبدا انساناً بامر يناقض تكليفه، لكن الانسان قد يميله هواه الي الزيغ، فيتخلي الله عنه: ويدفعه الي هاويه الزيغ.
وايه اخري يقول فيها الحق: {وَاِذَا ما اُنزِلَتْ سُورَهٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ الي بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ اَحَدٍ ثُمَّ انصرفوا صَرَفَ الله قُلُوبَهُم بِاَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ}.. [التوبه : 127].
انهم الذين بداوا؛ انصرفوا عن الله فصرف الله قلوبهم بعيداً عن الايمان. وكذلك الذين يتبعون المتشابه يبتغون به الفتنه اي يطلبون الفتنه، ويريدون بذلك فتنه عقول الذين لا يفهمون، وما داموا يريدون فتنه عقول من لا يفهمون فهم ضد المنهج، وما داموا ضد المنهج فهم ليسوا مؤمنين اذن، وماداموا غير مؤمنين فلن يهديهم الله الي الخير، لان الايمان يطلب من الانسان ان يتجه فقط الي الايمان بالرب الاله الحكيم، ثم تاتي المعونه بعد ذلك من الله. لكن عندما لا يكون مؤمنا فكيف يطلب المعونه من الله، انه سبحانه يقول: «انا اغني الشركاء عن الشرك».
انهم يبتغون الفتنه بالمتشابه، ويبتغون تاويله، ومعني التاويل هو الرجوع، لاننا نقول: (ال الشيء الي كذا) اي رجع الشيء الي كذا، فكان شيئاً يرجع الي شيء، فمن لهم عقل لا زيغ فيه يحاولون جاهدين ان يؤولوا المُتشَابه ويردوه الي المُحكم، او يؤمنوا به كما هو.
يقول الحق بعد ذلك: {وَمَا يَعْلَمُ تَاْوِيلَهُ اِلاَّ الله} ان الله لو اراد للمتشابه ان يكون محكما، لجاء به من المُحكَم، اذن فاراده الله ان تكون هناك ايات المتشابه ومهمتها ان تحرك العقول، وذلك حتي لا تاتي الامور بمنتهي الرتابه التي يجمد بها عقل الانسان عن التفكير والابداع، والله يريد للعقل ان يتحرك وان يفكر ويستنبط. وعندما يتحرك العقل في الاستنباط تتكون عند الانسان الرياضه علي الابتكار، والرياضه علي البحث، وليجرب كل واحد منا ان يستنبط المتشابه الي المحكم ولسوف يمتلك بالرياضه ناصيه الابتكار والبحث، والحاجه هي التي تفتق الحيله.
ان الحق يريد ان يعطي الانسان دربه حتي لا ياخذ المساله برتابه بليده ويتناولها تناول الخامل وياخذها من الطريق الاسهل، بل عليه ان يستقبلها باستقبالٍ واع وبفكر وتدبر. {اَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القران اَمْ علي قُلُوبٍ اَقْفَالُهَا}.. [محمد : 24].
كل ذلك حتي ياخذ العقل القدر الكافي من النشاط ليستقبل العقل العقائد بما يريده الله، ويستقبل الاحكام بما يريده الله، فيريد منك في العقائد ان تؤمن، وفي الاحكام ان تفعل {وَمَا يَعْلَمُ تَاْوِيلَهُ اِلاَّ الله}. والذين في قلوبهم زيغ يحاولون التاويل وتحكمهم اهواؤهم، فلا يصلون الي الحقيقه. والتاويل الحقيقي لا يعلمه الا الله.
قد راينا من يريد ان يعيب علي واحد بعض تصرفاته فقال له: يا اخي اتَدّعي انك احطت بكل علم الله؟ فقال له: لا. قال له: انا من الذي لا تعلم. وكانه يرجوه ان ينصرف عنه.
والعلماء لهم وقفات عند قوله الحق: {وَمَا يَعْلَمُ تَاْوِيلَهُ اِلاَّ الله}: بعضهم يقف عندها ويعتبر ما جاء من بعد ذلك وهو قوله الحق: {والراسخون فِي العلم} كلاماً مستانفاً، انهم يقولون: ان الله وحده الذي يعلم تاويل المتشابه، والمعني: {والراسخون فِي العلم} اي الثابتون في العلم، الذين لا تغويهم الاهواء، انهم: {يَقُولُونَ امَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} وهو ما قاله الرسول صلي الله عليه وسلم، ان الراسخين في العلم يقولون: ان المحكم من الايات سيعلمون به، والمتشابه يؤمنون به، وكل من المتشابه والمحكم من عند الله.
امّا مَن عطف وقرا القول الحكيم ووقف عند قوله: {والراسخون فِي العلم} نقول له: ان الراسخين في العلم علموا تاويل المتشابه، وكان نتيجه علمهم قولهم: {امَنَّا بِهِ}.
ان الامرين متساويان، سواء وقفت عند حد علم الله للتاويل او لم تقف. فالمعني ينتهي الي شيء واحد. وحيثيه الحكم الايماني للراسخين في العلم هي قوله الحق علي لسانهم: {يَقُولُونَ امَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} فالمحكم من عند ربنا، والمتشابه من عند ربنا، وله حكمه في ذلك؛ لانه ساعه ان يامر الاعلي الادني بامر ويبين له علته فيفهم الادني ويعمل، وبعد ذلك يلقي الاعلي الامر اخر ولا يبين علته، فواحد ينفذ الامر وان لم يعرف العله، وواحد اخر يقول: لا، عليك ان توضح لي العله. فهل الذي امن امن بالامر او بالعله؟
ان الحق يريد ان نؤمن به وهو الامر، ولو ان كل شيء صار مفهوماً لما صارت هناك قيمه للايمان. انما عظمه الايمان في تنفيذ بعض الاحكام وحكمتُها غائبه عنك؛ لانك ان قمت بكل شيء وانت تفهم حكمته فانت مؤمن بالحكمه، ولست مؤمناً بمن اصدر الامر.
وعندما ناتي الي لحم الخنزير الذي حرمه الله من اربعه عشر قرناً، ويظهر في العصر الحديث ان في اكل لحم الخنزير مضار، ويمتنع الناس عن اكله لان فيه مضار، فهل امتناع هؤلاء امر يثابون عليه؟ طبعاً لا، لكن الثواب يكون لمن امتنع عن اكل لحم الخنزير لان الله قد حرمه؛ ولان الامر قد صدر من الله، حتي دون ان يَعْرِّفنا الحكمه، ان المؤمن بالله يقول: ان الله قد خلقني ولا يمكن وهو الخالق ان يخدعني وانا العبد الخاضع لمشيئته.
ان العبد الممتنع عن اكل لحم الخنزير وشرب الخمر امتثالاً لامر الله، هو الذي ينال الثواب، اما الذي يمتنع خوفاً من اهتراء الكبد او الاصابه بالمرض فلا ثواب له. وهناك فرق بين الذهاب الي الحكم بالعله. وبين الذهاب الي الحكم بالطاعه للامر بالحكم.
اذن فالمتشابه من الايات نزل للايمان به، والراسخون في العلم يقابلهم من تلويهم الاهواء، والاهواء تلوي الي مرادات النفس والي ابتغاءات غير الحق. ومادامت ابتغاءات غير الحق، فغير الحق هو الباطل، فكل واحد من اهل الباطل يحاول ان ياتي بشيء يتفق مع هواه.
ولذلك جاء التشريع من الله ليعصم الناس من الاهواء؛ لان هوي انسان ما قد يناقض هوي انسان اخر، والباقون من الناس قد يكون لهم هوي يناقض بقيه الاهواء. والحق سبحانه يقول: {وَلَوِ اتبع الحق اَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والارض وَمَن فِيهِنَّ بَلْ اَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ}.. [المؤمنون : 71].
اذن فلابد ان نتبع في حركتنا ما لا هوي له الا الحق، والدين انما جاء ليعصمنا من الاهواء؛ فالاهواء هي التي تميلنا، والذي يدل علي ان الاهواء هي التي تميل الي غير الحق ان صاحب الهوي يهوي حكماً في شيء، ثم تاتي ظروف اخري تجعله يهوي حكماً مقابلاً، انه يلوي المساله علي حسب هواه، والا فما الذي الجا دنيا النإس إلي ان يخرجوا من قانون السماء الاول الذي حكم الارض عند ادم عليه السلام؟
لقد خرجوا من قانون السماء حينما قام قوم بامر الدين فاخذوا لهم من هذا سلطه زمنيه، واصبحوا يُخضعون المسائل الي اهوائهم. ونحن اذا نظرنا الي تاريخ القانون في العالم لوجدنا ان اصل الحكم في القضايا انما هو لرجال الدين والكهنه والقائمين علي امر المعابد. كان الحكم كله لهم، لان هؤلاء كانوا هم المتكلمين بمنهج الله.
ولماذا لم يستمر هذا الامر، وجاءت القوانين الرومانيه والانجليزيه والفرنسيه وغيرها؟ لانهم جربوا علي القائمين بامر الدين انهم خرجوا عن نطاق التوجيه السماوي الي خدمه اهوائهم، فلاحظ الناس ان هؤلاء الكهنه يحكمون في قضيه بحكم ما يختلف عن حكم اخر في قضيه متشابهه. انهم القضاه انفسهم والقضايا متشابهه متماثله، لكن حكم الهوي يختلف من قضيه الي اخري، بل وقد يتناقض مع الحكم الاول، فقال الناس عن هؤلاء الكهنه: لقد خرجوا عن منطق الدين واتبعوا اهواءهم، ليثبتوا لهم سلطه زمنيه، فنحن لم نعد نامنهم علي ذلك. وخرج التقنين والحكم من يد الكهنه ورجال الدين الي غيرهم من رجال التقنين. لقد كان امر القضاء بين الكهنه ورجال الدين؛ لان الناس افترضت فيهم انهم ياخذون الاحكام من منهج الله، فلما تبين للناس ان الكهنه ورجال الدين لا ياخذون الحكم من منهج الله، ولكن من الهوي البشري، عند ذلك اخذ الناس زمام التقنين لانفسهم بما يضمن لهم عداله ما حتي ولو كانت قاصره.
وبمناسبه كلمة الهوي نجد ان هناك ثلاثه الفاظ:
اولا: الهواء هو ما بين السماء والارض، ويراد به الريح ويحرك الاشياء ويميلها وجمعه: الاهويه وهذا امر حسي. ثانيا: الهوَي: وهو ميل النفس، وجمعه: الاهواء، وهو ماخوذ من هَوِيَ يَهْوَي بمعني مال.